تخطيط يستبق المستقبل ويعيد تشكيل الخريطة الحضرية
استثمار منظم واقتصاد متنوع يطلق دورة تشغيل واسعة
مدينة خضراء للشباب… ورمز لمرحلة مشاريع كبرى في 2026 وما بعدها
لا يمكن التعامل مع إطلاق مشروع مدينة عمرة بوصفه مجرد مشروع تطوير عمراني جديد؛ بل هو نقطة تحوّل في طريقة تفكير الدولة بالتخطيط الحضري وإدارة النمو السكاني والاقتصادي. فالمشروع الذي أطلقه رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، إنفاذاً لتوجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني، يقوم على فكرة جوهرية: أن تُبنى المدينة وفق رؤية مكتملة قبل أن تُبنى على الأرض، وأن تُحدَّد أدوارها الاقتصادية والاجتماعية مسبقاً.
"عمرة» ليست عاصمة جديدة ولا مركزاً إدارياً موازياً لعمّان، بل هي استجابة استراتيجية لتوقعات ديموغرافية صريحة؛ إذ تشير التقديرات إلى أنّ عدد السكان في عمّان والزرقاء يمكن أن يصل إلى نحو 11 مليون نسمة خلال ربع قرن إذا استمر النمو السكاني على مساره الحالي. أمام هذه الأرقام، يصبح التفكير في مدينة جديدة مخطَّطة مسبقاً ضرورة تنموية، لا ترفاً عمرانياً. وهنا تتجلى أهمية أن المشروع «عابر للحكومات»، يمتد على 25 عاماً، ويُبنى على أساس رؤية التحديث الاقتصادي، خصوصاً محور جودة الحياة الذي يستهدف توفير بيئات معيشية متكاملة الخدمات، قادرة على استيعاب موجات النمو السكاني دون أن تتحول إلى أزمات سكنية واختناقات مرورية وخدمية.
ويضيف البعد المكاني للمشروع قيمة إضافية؛ فموقع عمرة على شبكة طرق دولية تربط الأردن بالسعودية وسوريا والعراق، وعلى مسافة متقاربة من عمّان والزرقاء ومطار الملكة علياء، يجعلها حلقة وصل لوجستية واقتصادية، ومتنفساً حضرياً جديداً في فضاء لا يزال يحتفظ بمرونة التطوير والتخطيط، بعيداً عن قيود المدن القائمة وكلف استملاك الأراضي فيها.
اقتصادياً، تتقدم ملكية الدولة لأراضي المشروع بوصفها واحدة من أهم نقاط القوة في مدينة عمرة. فالمساحة المخصصة للمرحلة الأولى وهي 40 ألف دونم من أصل نحو نصف مليون دونم، كلها مملوكة لخزينة الدولة، ومخصصة لصندوق الاستثمار الأردني الذي أسس الشركة الأردنية لتطوير المدن والمرافق الحكومية لتكون الذراع التنفيذية للمشروع. هذا يعني أن كلف الاستملاك التي تعيق عادة المشاريع الكبرى غير موجودة هنا، ما ينعكس على مرونة أكبر في التفاوض مع المستثمرين، وسرعة في الإنجاز، وقدرة على تصميم نماذج استثمارية جاذبة وشفافة.
الحكومة لم تتعامل مع المشروع بوصفه مخططاً هندسياً فقط، بل أمضت عاماً كاملاً في إعداد الدراسات القانونية والحضرية والفنية والاقتصادية، وعقدت أكثر من 20 ورشة عمل مع خبراء في التخطيط والاقتصاد والتمويل والهندسة؛ للوصول إلى أفضل نموذج حوكمة. وفي هذا السياق، يأتي قرار إسناد الدور الرئيس لصندوق الاستثمار الأردني لما يتمتع به من حوافز وقواعد خاصة تفوق ما يتيحه حتى قانون البيئة الاستثمارية، بما يعزز قدرة المشروع على جذب استثمارات محلية وأجنبية نوعية.
المرحلة الأولى من «عمرة» مصممة لتكون محرك تشغيل اقتصادي لا مجرد مرحلة تمهيدية. فالمدينة الرياضية المتكاملة، بما فيها من ستاد دولي ومدينة أولمبية وصالات ومضمار سباق سيارات، تفتح الباب أمام سياحة رياضية وفعاليات دولية، وتخلق سلاسل قيمة تمتد للمقاولات والفنادق والخدمات والنقل. ومركز المعارض والمؤتمرات الدولي يؤسس لاقتصاد فعاليات قادر على استقطاب مؤتمرات ومعارض إقليمية ودولية، وهو قطاع معروف بعوائده العالية وتشغيله الكثيف للعمالة.
إلى جانب ذلك، تشكّل المدينة الترفيهية والحديقة البيئية والمدينة التعليمية والمركز التكنولوجي مزيجاً من المشاريع الإنتاجية والخدمية التي تستهدف قطاعات التعليم والتكنولوجيا والسياحة والخدمات المتقدمة. هذه المشاريع، بحسب الدراسات الأولية، ستوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وستنعكس إيجابًا على أكثر من 60 قطاعاً مرتبطاً بالإنشاءات والبنية التحتية والخدمات. كما أن التفكير في فتح باب الاكتتاب العام الجزئي بعد انتهاء المرحلة الأولى يحمل بُعداً اجتماعياً واقتصادياً مهماً، إذ يتيح للمواطنين من مختلف الفئات أن يكونوا شركاء في هذا الاستثمار الوطني، لا مجرد مستفيدين منه.
إلى ذلك، سيتم ربط المدينة بمنظومة الباص سريع التردد مع اكتمال مشاريع المرحلة الأولى مع نهاية 2029، بما يعزز من تنافسيتها على المدى الطويل، ويحولها من مشروع إسكان كبير إلى مركز للسكن والعمل والتنقل المنظم. هنا يظهر بوضوح أن «عمرة» ليست مدينة «نائمة» على أطراف العاصمة، بل مركز حضري اقتصادي جديد في جسد الاقتصاد الوطني.
البعد البيئي في مشروع عمرة ليس تفصيلاً ثانوياً؛ بل هو جزء أصيل من رؤية المدينة بوصفها مدينة خضراء تراعي متطلبات التغير المناخي والاستدامة. فالاعتماد على الطاقة النظيفة، ومعالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها، وتطبيق إدارة متقدمة للنفايات الصلبة عبر إعادة التدوير، كلها عناصر تجعل من عمرة مختبراً عملياً لنموذج حضري جديد في الأردن، حيث تُبنى المدينة منذ البداية على كفاءة استخدام الموارد.
كما أن تخطيط المدينة على نحو يجعل المسافة بين وسطها وأطرافها لا تتجاوز 5 كيلومترات، مع بنية نقل حديثة، يعني أننا أمام مدينة قابلة للمشي، تقل فيها الحاجة إلى التنقل الطويل بالسيارات، وينخفض معها الضغط على البنية التحتية، وتتزايد جودة الحياة. هذا النمط من التخطيط الحركي يتسق مع الاتجاهات العالمية في بناء المدن الصديقة للإنسان والبيئة.
إلى جانب ذلك، يمنح تشكيل مجلس استشاري شبابي للمشروع بعداً إضافيًا، إذ يفتح الباب أمام جيل جديد من المعماريين والمخططين والمبدعين في مجالات الفنون والبيئة والطاقة والنقل العام والتكنولوجيا للمشاركة في رسم ملامح المدينة. هنا تتحول عمرة إلى منصة لإطلاق طاقات الشباب، لا مجرد مشروع جاهز يسلَّم لهم للسكن أو العمل.
على الصعيد الاجتماعي، يبرز تخصيص 20 ألف دونم مجاورة للمشروع لمؤسسة الإسكان والتطوير الحضري، بهدف تطويرها لغايات الإسكان للعاملين والمتقاعدين وسكان لواء الموقر، باعتباره رافعة للعدالة السكنية، وتوزيعًا أكثر توازنًا لفرص السكن الميسر حول المدينة الجديدة. كما أن تخصيص 10% من أراضي المشروع لصالح القوات المسلحة الأردنية، ومساهمة سلاح الهندسة في جزء من أعمال البنية التحتية، يعكس البعد الوطني والأمني للمشروع بوصفه استثماراً استراتيجياً طويل الأمد.
في السياق الأوسع، يأتي مشروع عمرة متزامناً مع مرحلة توصف بأنها عام الانطلاقة الأوسع للمشاريع الكبرى في تاريخ الأردن. فالعام 2026 مرشح لأن يكون سنة تتحول فيها البلاد من شمالها إلى جنوبها إلى ورشة عمل مستمرة، وفق رؤية اقتصادية إصلاحية شاملة، وإجراءات استثمارية تسهّل الدخول إلى السوق الأردنية، وتفتح أبواباً جديدة أمام رأس المال المحلي والأجنبي. البلاد الآن تسير على الطريق الصحيح، والاتجاه إلى عمّان بات مطلوباً، والحركة كثيفة في الجو والبحر والبر… هذا هو الأردن الذي نريده؛ رؤية اقتصادية سليمة، وقرار من أعلى المستويات بالتنفيذ، وآليات عمل تأخذ في الاعتبار روح العصر.
في هذا الإطار، تصبح مدينة عمرة أكثر من اسم جغرافي؛ تتحول إلى رمز لمرحلة «العمار» الجديد في الأردن. ومن روح التفاؤل الكامنة في اسمها، تتولد التوقعات بأن تشهد البلاد بطولها وعرضها ورشة بناء وتنمية تستهدف الإنسان بوصفه جوهر العملية التنموية وغايتها النهائية. وإذا نجحت عمرة في تجسيد هذا النموذج على الأرض، حوكمة رشيدة، جذب استثمارات نوعية، التزام بمعايير الاستدامة، وتمكين حقيقي للشباب، فإنها ستكون نموذجاً أردنياً متقدماً في صناعة مدن المستقبل، وواحدة من أهم أدوات الهندسة الاقتصادية التي تعيد تشكيل الخريطة الحضرية والاقتصادية للمملكة لعقود مقبلة.