بلعاوي : حاجة ملحة لتطوير الخدمات النفسية
أقل من طبيب نفسي واحد لكل 100 ألف نسمة
تعد مؤشرات الصحة النفسية من القضايا الهامة المطروحة على الساحة الطبية، حيث تطرح تساؤلات حول أسبابها، وحول جاهزية منظومة الرعاية النفسية للاستجابة لها.
وفي هذا السياق، أكد أستاذ العلاج الدوائي السريري الدكتور ضرار بلعاوي في تصريح إلى $، ضرورة التعامل مع الصحة النفسية بوصفها أولوية وطنية تحتاج إلى تطوير وتوسيع في الخدمات والإجراءات.
وأشار بلعاوي إلى أن هذا الواقع يعكس واقعا يحتاج إلى قراءة معمقة، خصوصا أن مستويات الغضب، تعد مؤشرات مبكرة على ضغوط نفسية ممتدة قد تتحول إلى اضطرابات عند غياب الدعم المناسب.
ورأى أن فهم هذه المعطيات يتطلب النظر إلى مجموعة من العوامل المتداخلة التي أثرت على المزاج العام، وفي مقدمتها الضغوط الاقتصادية التي يعيشها جزء كبير من الأسر الأردنية، سواء من خلال البطالة المرتفعة بين الشباب أو ارتفاع تكاليف المعيشة.
وأضاف أن العبء السنوي لاضطرابات الصحة النفسية في المملكة، يتجاوز 250 مليون دينار أردني، وهو ما يعكس حجم التأثير الاقتصادي والاجتماعي لهذا الملف. وتابع بلعاوي بأنه لا يمكن تجاهل تأثير موقع الأردن الجيوسياسي، وتدفق موجات اللجوء المستمرة، التي فرضت ضغطا إضافيا على الخدمات والبنية الاجتماعية، ما أسهم في خلق حالة من القلق وعدم اليقين لدى جزء من المجتمع.
وبين أنه إلى جانب هذه العوامل، تبقى وصمة العار المرتبطة بالصحة النفسية إحدى أبرز العوائق أمام طلب المساعدة، حيث لا يزال الكثيرون يترددون في مراجعة المختصين رغم معاناتهم.
ولفت إلى أن التقارير المتخصصة تسلط الضوء على الحاجة إلى تقييم المشهد النفسي بشكل شامل، خصوصا لدى فئة الشباب، حيث تظهر دراسات محلية معدلات ملحوظة لاضطرابات مثل الاكتئاب والقلق واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة واضطراب ما بعد الصدمة.
كما أن الألم الجسدي وفق بلعاوي الذي أبلغ عنه عدد كبير من المشاركين، ليس بالضرورة مؤشرا على مرض عضوي، بل قد يكون تعبيرا عن ضيق نفسي، وهو ما يعرف طبيا بـ"اضطراب الأعراض الجسدية.
وفي ما يتعلق بالاستجابة الوطنية، أوضح أن الأردن اتخذ خطوات مهمة خلال السنوات الماضية، من بينها التعاون مع منظمة الصحة العالمية عبر برنامج (mhGAP)، الذي يهدف إلى دمج رعاية الصحة النفسية ضمن الرعاية الأولية، إضافة إلى مبادرات الجمعية الملكية للتوعية الصحية في تعزيز الوعي عبر العيادات المجتمعية.
إلا أن هذه الجهود كما ذكر ما تزال غير كافية، لاسيما مع محدودية عدد الاختصاصيين، حيث يوجد أقل من طبيب نفسي واحد لكل 100 ألف نسمة، وهي نسبة منخفضة مقارنة بالمعايير العالمية.
ودعا بلعاوي إلى تعزيز الاستثمار في خدمات الصحة النفسية، سواء عبر زيادة التمويل أو تدريب وتوظيف مزيد من الكوادر المتخصصة، من أطباء واختصاصيي علم النفس ومستشاري العلاج الدوائي والتمريض النفسي.
كما شدد على أهمية التحول نحو الرعاية الوقائية، عبر التوعية في المدارس والجامعات وبيئات العمل، وإطلاق حملات للحد من الوصمة وتشجيع الأفراد على طلب المساعدة دون تردد.
وأكد بلعاوي على أن تحسين واقع الصحة النفسية مسؤولية مشتركة، وأن نجاح الجهود الوطنية يعتمد على تعاون المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني والأسر، معتبرا أن دعم السلامة النفسية للمواطنين يعد استثمارا مباشرا، في الاستقرار الاجتماعي وجودة الحياة والإنتاجية الوطنية.