- قانونيون: تطبيق العقوبات البديلة يحافظ على تماسك النسيج الاجتماعي
أكد خبراء قانونيون أن تطبيق العقوبات البديلة لعقوبة الحبس في الأردن يمثل تحولًا نوعيًا في فلسفة العدالة الجزائية، ويعكس توجه الدولة نحو إصلاح منظومة العقوبة بما يوازن بين الردع والإصلاح ويحافظ على تماسك النسيج الاجتماعي.
وبيّنوا أن العقوبات البديلة، مثل خدمة المجتمع والمراقبة المجتمعية والعمل التطوعي، تسهم في الحد من الاكتظاظ داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، وتمنح المحكومين فرصة لإصلاح أنفسهم دون انقطاعهم عن بيئتهم الأسرية والاجتماعية.
وقالت المحامية حُسن أبو رمان لـ"الرأي" إن تطبيق العقوبات البديلة في الأردن يعكس تطورًا في الفكر العقابي نحو العدالة الإصلاحية والإنسانية، ويساهم في حماية المجتمع وإعادة تأهيل الأفراد بدلًا من عزلهم.
وأضافت أبو رمان أن هذه التجربة تُعد رائدة وإيجابية، إذ أسهمت بشكل واضح في الحد من الاكتظاظ داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، وخفّضت الأعباء المالية المترتبة على الدولة، كما عززت الدور الإصلاحي للعقوبة من خلال إعادة تأهيل المحكومين ودمجهم في المجتمع بطريقة فعّالة وبنّاءة.
وأشارت إلى أن العقوبات البديلة تتيح للمحكوم فرصة لتصحيح سلوكه وإعادة اندماجه في المجتمع بدلًا من الانعزال في السجن، مع الحفاظ على الكرامة الإنسانية، وتجنّب المحكوم المعاناة النفسية والاجتماعية الناتجة عن الحبس، خاصة في القضايا البسيطة أو غير العنيفة.
وأضافت أن هذه العقوبات تُسهم في الحفاظ على الروابط الأسرية والاجتماعية، إذ يبقى المحكوم على اتصال بعائلته ومجتمعه، مما يسهل عودته إلى الحياة الطبيعية بعد انتهاء العقوبة، وتمنع اكتساب السلوك الإجرامي، لأن البقاء خارج بيئة السجن يقلل من احتمالية الاحتكاك بالمجرمين ذوي الخطورة العالية. كما تشجع العقوبات البديلة، مثل الخدمة المجتمعية أو المراقبة القضائية، المحكومين على تحمّل المسؤولية الاجتماعية والإصلاح الذاتي.
ونوّهت أبو رمان إلى أنه رغم وجود بعض التحديات المرتبطة بضرورة توسيع نطاق التطبيق وتطوير آليات المتابعة، إلا أن النتائج العامة تؤكد نجاح التجربة وأهميتها في دعم العدالة الإصلاحية وتعزيز الأمن المجتمعي في الأردن.
من جانبه، قال المحامي هشام البقور إن التعديلات الأخيرة على قانون العقوبات الأردني والمتعلقة بالعقوبات البديلة تمثل توجهًا سليمًا ينسجم مع مبادئ العدالة ومعايير أنظمة العدالة الجنائية في الدول المتقدمة.
وأوضح أن التجربة ما تزال حديثة نسبيًا، ويستلزم تقييمها فترة زمنية كافية لرصد نتائج التطبيق. ومع ذلك، فقد وضعت التعديلات معايير دقيقة لضمان حسن التنفيذ وتحقيق الأهداف المرجوة، حيث استثنت الجرائم التي تُشكّل خطرا على المجتمع.
كما استثنت الأشخاص المكررين بالمعنى القانوني (أرباب السوابق)، وأعطت القاضي سلطة تقديرية لتطبيق العقوبات البديلة بالنظر إلى ظروف كل قضية وما يحيط بها من ملابسات.
وأشار البقور إلى أن العقوبات البديلة تنسجم مع مبادئ حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، إذ تهدف إلى تصويب الخطأ وتقويم السلوك بعيدًا عن العقوبات التقليدية، وبطريقة تحفظ كرامة المحكوم ولا تؤثر على حياته المهنية أو ظروفه المعيشية والاجتماعية. كما تمنحه فرصة لإعادة التأهيل والاندماج في المجتمع بعيدًا عن بيئة السجون، وتجنّبه الوصم الاجتماعي المرتبط بالمحكومين في مراكز الإصلاح.
وأضاف أن هذا النظام يخفف العبء عن جهاز الأمن العام وإدارة مراكز الإصلاح والتأهيل، حيث يؤدي الاكتظاظ إلى عرقلة البرامج التأهيلية، فضلًا عن تخفيف الكلف المالية والإدارية المترتبة على الدولة وأجهزة إنفاذ القانون.
وبيّن البقور أن استثناء المكررين من بدائل العقوبة يمثل نوعًا من "التمييز الإيجابي" الذي يتيح الفرصة لمن ارتكب خطأ عارضًا لتصحيح سلوكه وإعادة اندماجه بالمجتمع، فيما يُبقي على العقوبات التقليدية لفئة محدودة من معتادي الإجرام.
وبحسب بيانات وزارة العدل، فقد تم تنفيذ 276 عقوبة بديلة عن الحبس خلال شهر أيلول الماضي، فيما بلغ عدد الأحكام المنفذة منذ بداية العام الحالي 1,698 عقوبة، في حين تجاوز العدد الإجمالي أكثر من عشرة آلاف محكوم عليه منذ بدء تطبيق النظام.
وأكدت الوزارة أن برنامج العقوبات البديلة يأتي ضمن توجه الدولة نحو عدالة أكثر إنسانية وإصلاحية، تسعى إلى إعادة دمج المحكومين في المجتمع وتخفيف الضغط المتزايد على مراكز الإصلاح والتأهيل، إضافة إلى تجنب الآثار السلبية للعقوبات السالبة للحرية.
وأشارت البيانات إلى أن البدائل تشمل الخدمة المجتمعية، والبرامج التأهيلية والسلوكية، وبرامج علاج الإدمان، والمراقبة الإلكترونية، بالإضافة إلى حظر ارتياد المحكوم أماكن أو مناطق محددة، أو إلزامه بالإقامة في منزله أو منطقة معينة، سواء بشكل جزئي أو كلي، ولمدة تحددها المحكمة.
وأوضحت الوزارة أن تطبيق هذه العقوبات يسهم في الحد من اكتظاظ السجون الذي تجاوز في بعض الفترات 180% من الطاقة الاستيعابية، إلى جانب الحفاظ على مصادر رزق المحكومين ومنع اختلاطهم بمعتادي الإجرام. مؤكدة أن العدالة لا تتحقق فقط بالعقوبة السالبة للحرية، بل أيضًا بإصلاح السلوك وإعادة التأهيل.
كما بيّنت أن العقوبات البديلة لا تنطبق على جميع الجرائم، إذ استُثنيت الجرائم الخطرة أو المرتبطة بأمن الدولة، مثل: الجنايات الواقعة على أمن الدولة وجنايات تزوير البنكنوت والجرائم المتعلقة بالمسكوكات، والجنايات الواقعة على الأشخاص (ما لم يقترن ذلك بالصفح أو إسقاط الحق الشخصي)، والجنايات المخلة بواجبات الوظيفة العامة، وجنايات الاغتصاب وهتك العرض والخطف، وجرائم التعذيب والإرهاب،
الجرائم المنصوص عليها في قوانين المخدرات والمؤثرات العقلية، حماية أسرار ووثائق الدولة، مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بالإضافة إلى الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات العسكري وقانون العلم والخدمة الاحتياطية.