كارثة صحية وبيئية غير مسبوقة
تتواصل الخروقات الإسرائيلية اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، سواء عبر غارات محدودة وعمليات نسف وإطلاق نار أو من خلال استمرار الحصار ومنع إدخال الوقود والمستلزمات الطبية إلى المستشفيات التي بالكاد تواصل عملها.
وحذرت بلدية غزة من تفاقم الكارثة الإنسانية مع بدء موسم الأمطار، في ظل الدمار الواسع الذي ألحقته الحرب بالبنى التحتية، فيما أكد مركز غزة لحقوق الإنسان أن نحو مليوني فلسطيني يعيشون كارثة إنسانية متصاعدة مع اقتراب فصل الشتاء، وسط نقص حاد في مقومات الحياة الأساسية.
وفي اليوم الـ31 من بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار، شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية، أمس الإثنين، غارات على مناطق في خانيونس ورفح ومدينة غزة، تزامنا مع عمليات نسف إسرائيلية شرق خانيونس ورفح، تسببت بانفجارات ضخمة هزت القطاع.
وفي حي الشيخ رضوان شمال غزة، ناشد الأهالي فرق الدفاع المدني ووزارة الصحة للمساعدة في انتشال جثامين الشهداء من مقبرة جماعية أقيمت سابقا في ملعب كرة قدم بالمنطقة، بعد أن نبشت القوات الإسرائيلية القبور وجرفت الموقع خلال توغلها البري الأخير، ما حال دون دفن الضحايا في المقابر الرسمية.
وبعد مرور شهر على إعلان «وقف إطلاق النار» في قطاع غزة، لا تزال إسرائيل تواصل تنفيذ جريمة الإبادة الجماعية ضد المدنيين الفلسطينيين بأساليب متعددة، وتستمر في فرض ظروف معيشية مهلكة على مليوني فلسطيني، مع حرمانهم من التعافي من آثار الكارثة الإنسانية المستمرة منذ أكثر من 25 شهرًا، في ظل صمت وعجز دولي عن حمايتهم وإنصافهم.
المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أكد في تقرير له الاثنين أنّه وثّق خلال الأسابيع الأربعة الماضية استمرار جرائم القتل العمد التي ينفّذها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين، موضحا أن الاحتلال يقتل ما معدله ثمانية فلسطينيين يوميًا، في ظل استمرار الحصار الشامل المفروض على القطاع، وما يرافقه من سياسة تجويعٍ متعمّد وحرمان للسكان من سبل البقاء، ومنعٍ لإعادة الإعمار، وتقييد لحرية التنقّل، وحرمان للجرحى والمرضى من العلاج، وتعطيل متعمّد لدخول المساعدات الإنسانية، في سياق يشكّل امتدادًا لجريمة الإبادة الجماعية المستمرة ضد سكان قطاع غزة.
وبيّن المرصد أنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي يواصل ارتكاب خروقات وجرائم يومية لوقف إطلاق النار، من خلال القصف الجوي والمدفعي وإطلاق النار، والاستمرار في تدمير المنازل والمباني، خاصة في شرق مدينتي خان يونس وغزة، مؤكدًا أنّ هذه الأفعال تعكس نهجًا منظّمًا لتدمير مقوّمات الحياة في القطاع وحرمان سكانه من أبسط حقوقهم، في انتهاك جسيم لأحكام القانون الدولي.
وأوضح المرصد أنّه منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 تشرين أول الجاري، واصل الجيش الإسرائيلي قتل المدنيين الفلسطينيين، إذ قتل خلال هذه الفترة 242 فلسطينيًا، من بينهم 85 طفلًا، بمعدل يزيد على ثمانية قتلى يوميًا، وأصاب نحو 619 آخرين، أي أكثر من 20 إصابة يوميًا، في مؤشّر واضحٍ على أنّ إسرائيل لم تتوقف عن نهجها القائم على قتل الفلسطينيين واستهدافهم المنهجي.
ونبّه المرصد الأورومتوسطي إلى أنه، مع غياب أيّ آلية رقابة دولية فعّالة لوقف إطلاق النار، تواصل إسرائيل انتهاكاتها على أرض الواقع، بما في ذلك من خلال إخراج المناطق التي تسيطر عليها – والتي تزيد مساحتها عن 50% من مساحة القطاع – من معادلة وقف الأعمال الحربية، حيث استمرّت في تنفيذ عمليات النسف والتدمير دون وجود أعمال قتالية.
وأشار المرصد إلى أنّ إسرائيل تواصل هندسة سياسة التجويع وإدارتها في قطاع غزة، إذ عطّلت دخول نحو 70% من المساعدات التي كان يفترض إدخالها بموجب الاتفاق، وتتحكّم بنوعية البضائع عبر سياسة تقطير منهجي للسلع الأساسية ذات القيمة الغذائية مثل اللحوم والألبان، مقابل إغراق الأسواق بمنتجات ثانوية عالية السعرات الحرارية، بما يُبقي السكان في حالة جوعٍ مزمن خاضعة للسيطرة، من غير معالجة لأسبابه أو لآثاره الصحية الخطيرة، ومن غير أن تظهر عليهم العلامات الحادّة لسوء التغذية.
وطالب بضمان دخول آمن وكافٍ ومنتظم للمساعدات الإنسانية، وخاصة الغذاء والدواء والوقود ومستلزمات إعادة تشغيل المرافق الصحية والخدمية، ومنع إسرائيل من الاستمرار في التحكم الكمي والنوعي بالمساعدات أو عرقلتها.وشدّد الأورومتوسطي على ضرورة ضمان عودة آمنة لجميع المهجّرين قسرًا إلى منازلهم ومناطق سكنهم الأصلية داخل القطاع، ورفض أيّ ترتيبات أو مشاريع تهدف إلى ترسيخ التهجير القسري أو فرض مناطق عزل أو «مناطق إنسانية» بديلة عن موطنهم الأصلي.
ودعا إلى نشر بعثة دولية فعّالة تحت مظلة الأمم المتحدة لمراقبة السلوك الإسرائيلي، وتوثيق الخروقات، وتوفير وجود وقائي يحدّ من اعتداءات جيش الاحتلال الإسرائيلي، ويسهم في حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية.
كما دعا إلى إنشاء آلية دولية للتعويض وإعادة الإعمار، تضمن جبر الضرر للضحايا المدنيين وإعادة بناء المنازل والبنى التحتية والمرافق الحيوية في القطاع، على نحو لا يعيد إنتاج السيطرة الإسرائيلية على الموارد والمعابر والحركة.
أكدت بلدية غزة أن المدينة تعرضت لدمار واسع وغير مسبوق خلال حرب الإبادة المستمرة على القطاع، رغم إعلان وقف إطلاق النار، مشيرة إلى أن نحو 85% من البنية التحتية تضررت بشكل مباشر أو غير مباشر، في ما وُصف بأنه «الدمار الأوسع في تاريخ المدينة».
وقال الناطق باسم بلدية غزة حسني مهنا أمس الاثنين، إن الأضرار طالت مختلف القطاعات الحيوية، بما في ذلك شبكات المياه والصرف الصحي والطرق والمرافق العامة والمباني الخدمية والتعليمية والاقتصادية.
وأوضح أن «غزة اليوم تحتاج إلى إعمار شامل يبدأ من إعادة بناء البنية الأساسية وصولاً إلى تشغيل الخدمات العامة، فالحرب لم تترك مجالاً أو قطاعاً إلا ونالت منه».
وأشار مهنا إلى أن كميات الركام الناتجة عن القصف تتجاوز 70 مليون طن، وهي كميات مهولة تفوق قدرة بلديات القطاع على التعامل معها، خاصة بعد تدمير معظم معداتها ومنع إدخال الآليات اللازمة».
وأوضح أن إزالة الركام تمثل التحدي الأكبر أمام جهود الإعمار في ظل استمرار الحصار وإغلاق المعابر، مبينًا أن بلدية غزة لا تمتلك اليوم سوى جرافة واحدة فقط بعد أن دمّر الاحتلال 134 آلية ومركبة تابعة لها، أي ما نسبته 85% من إجمالي أسطولها التشغيلي.
وأضاف أن البلدية تضطر حالياً إلى الاستعانة بآليات من القطاع الخاص لإنجاز أعمالها اليومية، محذّرا من أن استمرار القيود المفروضة على دخول المعدات وقطع الغيار سيجعل عملية إزالة الأنقاض تستغرق سنوات طويلة، مما يعيق جهود التعافي المبكر ويطيل معاناة السكان.
ولم يقتصر الدمار على الركام فقط، بل إن المدينة تواجه كارثة بيئية وصحية متفاقمة نتيجة تراكم أكثر من 260 ألف طن من النفايات في الشوارع والمكبات المؤقتة، بسبب صعوبة عمليات الجمع والنقل.
وأوضح أن الاحتلال يمنع وصول طواقم البلدية إلى مكب جحر الديك شرق غزة، وهو المكب الرئيسي للمدينة، مما أدى إلى تحول بعض الشوارع إلى مكبات مفتوحة تنبعث منها روائح كريهة في الأحياء المكتظة بالنازحين.
وقال مهنا إن هذا الوضع يشكل تهديدًا مباشرًا على الصحة العامة وينذر بانتشار الأوبئة والأمراض المعدية، مشيراً إلى أن النقص الحاد في الوقود ودمار أغلب الآليات تسبب في شلل شبه كامل في إدارة النفايات، وأن البلدية تعمل في ظروف شبه مستحيلة وبموارد شبه معدومة.
ورغم الواقع القاتم، أكد مهنا أن بلدية غزة تعمل وفق خطة طوارئ تركز على فتح الشوارع الرئيسية والفرعية، وإصلاح خطوط المياه والصرف الصحي، وتنظيف الأنقاض من المناطق السكنية.
وأشار إلى أن البلدية أعدّت أيضًا خطة متوسطة المدى لإعادة تأهيل البنية التحتية بالتعاون مع المنظمات الدولية والجهات المانحة، إلا أن تنفيذها مرهون بتوفير المعدات الثقيلة ومواد البناء والدعم المالي الكافي.
وأوضح أن ما يصل من الوقود عبر المؤسسات الدولية «لا يغطي سوى الحد الأدنى من احتياجات البلدية اليومية»، وأن الاعتماد على السولار أصبح شبه كامل لتشغيل المولدات والآبار ومحطات الضخ في ظل استمرار أزمة الكهرباء.
منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة في تشرين الأول 2023، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 60% من إجمالي المباني في القطاع تضررت أو دُمّرت كليًا، فيما فقد مئات الآلاف من السكان منازلهم ومصادر رزقهم.
وتحذر منظمات أممية من أن استمرار الحصار والقيود المفروضة على دخول مواد البناء والمعدات اللازمة سيؤدي إلى تأخير إعادة الإعمار لسنوات طويلة، ويهدد بانهيار الخدمات العامة الأساسية، لا سيما في مجالات المياه والصرف الصحي والنفايات.
وعلى الصعيد السياسي، كشفت مصادر فلسطينية مطلعة أن المشاورات بين الوسطاء وقيادة حركة حماس لا تزال تتركز حول وضع مقاتلي كتائب القسام في مدينة رفح، مؤكدة أن خيار ترحيلهم إلى الخارج غير مطروح، وأن الجهود تتجه لإيجاد حل يضمن بقاءهم داخل القطاع ضمن ترتيبات أمنية وضمانات دولية.
وفي السياق ذاته، يجري جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، محادثات في إسرائيل مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، لبحث تنفيذ الخطة الأميركية لإنهاء حرب غزة، بما في ذلك تسوية ملف مقاتلي القسام في رفح كمدخل للانتقال إلى المرحلة الثانية من مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار.