تعميق التعاون التجاري الأردني الآسيوي
فرص جديدة لفتح آفاق تصديرية للمنتج المحلي
عايش: الأردن شريك موثوق للمستثمرين الآسيويين
مخامرة: تعزيز التجارة ونقل التكنولوجيا الآسيوية
حجازي: صندوق استثماري مشترك لتمويل المشاريع
منصور: توسيع حضور المنتجات الأردنية في آسيا
بدأ جلالة الملك عبد الله الثاني، زيارة رسمية إلى اليابان، ضمن جولة آسيوية تشمل فيتنام وسنغافورة وإندونيسيا وباكستان، في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية للأردن مع الدول الآسيوية الصاعدة وفتح مسارات جديدة للاستثمار والتبادل التجاري.
وتشير معطيات دائرة الإحصاءات العامة إلى أن التبادل التجاري بين الأردن وآسيا يظهر فجوة واضحة بين الواردات والصادرات خلال الثمانية أشهر الماضية من 2025، ما يؤكد الأهمية الاقتصادية لهذه الجولة لتعزيز الصادرات الأردنية وفرص التوسع في الأسواق الآسيوية، فقد بلغت مستوردات المملكة من اليابان نحو 180 مليون دينار مقابل 29 مليون دينار صادرات، ومن فيتنام 135 مليون دينار مقابل مليون دينار فقط صادرات.
في حين بلغت مستوردات الأردن من سنغافورة نحو 19 مليون دينار مقابل نحو 7 ملايين دينار صادرات، حيث بلغت مستوردات المملكة من إندونيسيا 267 مليون دينار مقابل 67 مليون دينار صادرات، ومن باكستان نحو 20 مليون دينار مقابل 9 ملايين دينار صادرات.
وأجمع معنيون بالشأن الاقتصادي في حديث لـ «الرأي»، على أن الجولة الملكية ليست مجرد زيارات بروتوكولية، بل تمثل فرصة لتحويل العلاقات الثنائية إلى مشاريع وشراكات قابلة للتنفيذ، عبر توقيع اتفاقيات تعاون ومذكرات تفاهم مع مؤسسات آسيوية معنية بالتمويل التقني والبنية التحتية والتنمية المستدامة.
ويرى الخبير الاقتصادي، وجدي مخامرة، أن الجولة تمثل خطوة استراتيجية نحو تعزيز الروابط مع الاقتصادات الآسيوية، مؤكداً أهمية تعزيز التجارة الثنائية عبر التركيز على صادرات أردنية، مثل الأدوية والفوسفات، مقابل استيراد التكنولوجيا والخبرات اليابانية.
أما مع فيتنام وإندونيسيا، يشير الخبير إلى أن توقيع اتفاقيات تجارية جزئية لتخفيف التعريفات الجمركية على المنتجات الزراعية والصناعية الأردنية يشكل فرصة لتعزيز الصادرات، لا سيما وأن حجم التجارة مع دول جنوب شرق آسيا بلغ نحو 1.2 مليار دولار عام 2024 مع توقعات بنمو سنوي يتراوح بين 20–30%، كما يمثل التعاون مع هذين البلدين، بوصفهما مراكز تصنيع رئيسية، فرصة لتعزيز اندماج الأردن في سلاسل التوريد العالمية، بما يتيح دخول أسواق إنتاج الإلكترونيات والملابس وتقليل الاعتماد على الأسواق الأوروبية المتأثرة بالتوترات الجيوسي?سية.
وأضاف أن التعاون مع باكستان يمكن أن يتركز على تبادل السلع الزراعية والمنسوجات، والاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة القائمة، في حين يمكن لسنغافورة، كمركز مالي إقليمي، أن تسهم في تمويل مشاريع البنية التحتية من خلال صناديقها السيادية. وأكد أن الأردن يسعى لاستقطاب نحو 2 مليار دولار سنويا من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحلول عام 2030، مستفيدًا من هذه الشراكات الاقتصادية.
من جهته، أكد مدير عام جمعية رجال الأعمال الأردنيين، طارق حجازي، أن الجولة تشكل فرصة حقيقية لتحويل العلاقات الثنائية إلى مشاريع استثمارية فاعلة، من خلال بناء تعاونات استراتيجية مع مؤسسات كبرى مثل الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا)، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، ودمج مصادر الطاقة المتجددة، بما يسهم في دعم التحول التقني والاقتصادي في الأردن.
وأوضح أن فرص التعاون يمكن أن تمتد لتشمل الصناديق السيادية الآسيوية، مثل الصندوق الإندونيسي (دانانتارا)، لتمويل مشاريع البنية التحتية الخضراء بالشراكة مع مؤسسات مالية يابانية، مع إمكانية تأسيس صندوق استثماري مشترك لدعم مشاريع الطاقة الشمسية، وتطوير العدادات الذكية، إلى جانب برامج التحول الرقمي الوطنية.
وبين أن هذه الشراكات لا تقتصر على الجانب التمويلي، بل تمتد لتشمل القطاعين العام والخاص والجامعات، لبناء منظومة وطنية مستدامة تقدم الأردن كنموذج إقليمي للابتكار الأخضر. وتشمل المبادرات توقيع مذكرات تفاهم لمشاريع مشتركة، مثل إنشاء مصانع في المناطق الاقتصادية الخاصة بتمويل ياباني أو إندونيسي، وتشكيل لجان استثمار مشتركة مع سنغافورة لتطوير المدن الذكية، وتنفيذ مشاريع في مجال الطاقة الهيدروكربونية مع باكستان.
وشدد على أهمية ترسيخ الشراكات طويلة الأمد من خلال برامج تدريب مشتركة في مجالات التكنولوجيا ونقل المعرفة، بما يسهم في توسيع الشبكات التجارية وتبادل الخبرات الصناعية، ويتيح للأردن الاستفادة الكاملة من الإمكانيات الاستثمارية والتقنية لدول شرق آسيا. كما دعا إلى تطوير منصة «استثمر في الأردن» عبر إطلاق بوابة مخصصة للمستثمرين الآسيويين تواكب احتياجاتهم وتوفر بيانات دقيقة عن القطاعات الواعدة، بما يضمن تحقيق النمو المستهدف في الناتج المحلي الإجمالي وخلق فرص عمل مستدامة ضمن مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي.
بدوره، أوضح وزير الاقتصاد الأسبق، يوسف منصور، أن حجم التجارة بين الأردن ودول جنوب شرق آسيا، قد تجاوز 1.3 مليار دينار، ويشهد نموا متواصلا يعكس الإمكانات الكبيرة لتوسيع الصادرات الأردنية نحو الأسواق الآسيوية.
وأشار إلى أن أبرز المنتجات الأردنية ذات الميزة التنافسية تشمل الكيماويات، المعادن، الألبسة، السياحة العلاجية، والخدمات التعليمية، داعيا إلى تعزيز حضور هذه القطاعات في المعارض والبعثات التجارية القادمة.
وأكد أهمية التوجه نحو منتجات «الحلال» لتلبية احتياجات عشرات الملايين من المسلمين في آسيا، إلى جانب الترويج لمنتجات البحر الميت والسياحة التجريبية والثقافية التي تمثل رافدا واعدا للنمو الاقتصادي، مشيرا الى دور الجولة الملكية في رفع مستوى الوعي لدى المستثمرين الآسيويين بالأردن، ما يستدعي البناء على هذا الزخم عبر تنظيم بعثات تجارية ومعارض مشتركة، وتوقيع مذكرات تفاهم جديدة لفتح الأسواق أمام الصادرات والخدمات الأردنية.
وفي الجانب السياحي، توقع منصور، أن تسهم الجولة في زيادة أعداد السياح الآسيويين الذين ارتفعوا بنسبة 43% في النصف الأول من العام الحالي، مؤكدا ضرورة تطوير برامج ترويجية موجهة لكل سوق على حدة، بالتعاون مع دول مثل إندونيسيا لجذب ما يقارب مليون سائح آسيوي سنويا.
ودعا إلى تعزيز الروابط التعليمية والمعرفية بين الأردن والدول الآسيوية، من خلال إطلاق برامج تبادل طلابي وثقافي مع اليابان وفيتنام، والمتوقع أن تسهم في رفع معدلات الالتحاق بالجامعات الأردنية بنسبة تصل إلى 20%، وتوسيع التعاون الثقافي ليشكل مسارا اقتصاديا جديدا قائما على تصدير المنتجات الإبداعية، مثل الألعاب الإلكترونية والمعارض الفنية، بما يدعم السياحة الثقافية ويعزز صورة الأردن كمركز إقليمي للإبداع والانفتاح الثقافي.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي حسام عايش، أن جولة الملك تكرس صورة الأردن كدولة موثوقة ومستقرة سياسيا واقتصاديا، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص تنموية حقيقية في محيط إقليمي مضطرب.
واشار إلى أن هذه المكانة الاستثنائية للمملكة تعزز من جاذبية الأردن كوجهة آمنة للمستثمرين الآسيويين الباحثين عن شراكات طويلة الأمد في الشرق الأوسط.
ولفت عايش، إلى أن اللقاءات المباشرة التي يجريها الملك تعزز الثقة الاستثمارية بالأردن بوصفه بوابة مثالية للأسواق الإقليمية، مشيرا إلى أن السياسات الإصلاحية والانفتاح الاقتصادي للمملكة توفر بيئة أعمال مستقرة وموثوقة.
وأوضح دور هذه اللقاءات في فتح آفاق التعاون الاستراتيجي مع الدول الآسيوية بمجالات التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر، وهو ما قد يسهم في رفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 2 و3% خلال العامين المقبلين، في حال تم تنفيذ الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بفعالية.
وقال إن الجولة تحمل رسائل اقتصادية وسياسية وإنسانية متكاملة، تركز على دعم الأمن والسلم الدوليين، وتعزيز التعاون بين الدول على أساس المصالح المشتركة لا الصراعات، وإبراز الأردن كدولة منفتحة لا تحدها الجغرافيا أو الدين أو العرق، بل تجمعها القيم الإنسانية والمصالح المتبادلة.
وأكد أن الموقع الجغرافي المميز للأردن، الذي يجعله جسرا طبيعيا يربط بين آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، إلى جانب كفاءاته الشابة، ورؤية التحديث الاقتصادي المدعومة بالجهود الملكية، تجعل من المملكة حليفا استراتيجيا للدول الآسيوية، ويرى أن هذه الشراكات تعزز قدرة الأردن على تنفيذ مشاريع طويلة المدى، وتعكس موثوقيته كمركز إقليمي للفرص الاقتصادية.