هذا كتابٌ تمّ إشهارهُ قبل عدة أشهر لمؤلفه دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة رئيس الوزراء الأردني الأسبق، والدكتور عبد الرؤوف الروابدة شخصية سياسية مشهورة في الأردن قد يختلف معه البعض في رؤاه أو أطروحاته إزاء الموضوعات المختلفة ولكّن قليلين هم الذين يختلفون حول ذكائه، وسرعة بديهته، وقدرته الفائقة على التعبير، ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا بأن الأردنيين في مختلف مناطقهم يتحدثون يومياً عن "نوادره"، "وقفشاته"، وإجاباته "اللاذعة" و"المضحكة" في آن واحد، الأمر الذي يجعله شخصية "غير عادية" (Exceptional) بالمعنى الإيجابي للكلمة.
صدر هذا الكتاب عن مركز التوثيق الملكي الأردني الهاشمي في العام الحالي (2025)، وقدّم له المؤرخ الأردني البارز الأستاذ الدكتور علي محافظة، الذي أشاد بالكتاب ورأى أنه جديرٌ بالاقتناء وأوصى بنشره من قبل وزارة الثقافة الأردنية ضمن برنامج مكتبة الأسرة لما فيه من فائدة.
يتألف كتاب دولة الدكتور الروابدة من ستة عشر (16) فصلاً بدأها بفصل يشتمل على معلومات عامة تتعلق بالأردن كمعنى التسمية (الأردن)، والموقع والسكان وختمها بفصل عن نظام الحكم الأردني، أمّا في الفصول الأخرى بين هذين الفصلين (الأول والأخير) فقد تناول تاريخ الأردن القديم، والقوى التي "غزت" الأردن (العبرانيون، الهكسوس، البابليون، الرومان...)، والهجرات العربية إلى الأردن، والعهد الإسلامي (النبوي، الراشدي، الأموي....) مفرداً فصلاً خاصاً عن العهد العثماني لأنه سبق قيام الدولة الأردنية الحديثة، والثورة العربية الكبرى، أمّا بقية فصول الكتاب وبدءاً من الفصل الثامن فقد خصّصه للدولة الأردنية الحديثة (تأسيس الإمارة، ومرحلة الانتداب، واغتيال الملك عبد الله الأول، والأحداث المهمة في مطلع حكم الملك الحسين) وختمه بفصول ثلاثة مهمة تناقش قضايا محورية تعني الأردنيين جميعاً وهي: الأردن وفلسطين، السلام العربي الإسرائيلي، والحياة البرلمانية الأردنية، ونظام الحكم الأردني.
إن هذا الكتاب ليس كتاباً تاريخياً بالمعنى المُتعارف عليه ولكنه إبرازٌ لمراحل وأحداث معينة من تاريخ الأردن تُفيد في تعميق الفهم، وتكثيف الوعي، وتأصيل الهوية الوطنية الأردنية. ولعلي أشير إلى بعض "الإضاءات" التي وُفّق المؤلف في إبرازها:
أولاً: إلقاء الضوء على التاريخ القديم للأردن كجزء من بلاد الشام وذلك من خلال الإشارة إلى بعض المواقع التي تعود إلى العصور القديمة كالحمّة (إربد)، وجُرف الدراويش (الطفيلة)، وكذلك إلى الممالك القديمة (أدوم، مُؤاب، عَمّون)، الأمر الذي ينفي مقولة أن الأردن أرضٌ صحراوية وليست أكثر من ممر قوافل وشعوب تاريخياً.
ثانياً: توضيح مراحل الازدهار التي شهدها الأردن وبالذات في العصر الروماني حيث كانت (4) من (10) مدن "الديكابولس" المزدهرة هي مدن أردنية وهي عمان، وإربد، وجرش، وأم قيس وكذلك أثناء قيام دولتين مهمتين على أراضيه هما: دولة الأنباط، ودولة الغساسنة، وقد كان دولة الدكتور الروابدة مصيباً حين أشار إلى أسباب الهجرات العربية من الجزيرة العربية واليمن وهي: زيادة السكان بما يفوق الموارد الطبيعية، وحالات القحط والجفاف الطويلة، والحروب الطاحنة بين القبائل.
ثالثاً: تجلية الطابع العروبي للأردن منذ نشأته حيث تألف أول "مجلس مشاورين" (أو ما يُعرف "بمجلس الوزراء الآن) من ستة وزراء: اثنان منهم حجازيان، واثنان سوريان، وواحد فلسطيني، وواحد من شرق الأردن هو (علي خلقي الشراري)، وقد كان رئيس المجلس درزي لبناني هو السيد رشيد طليع.
رابعاً: وضع أخطار مرحلة التأسيس في سياقها التاريخي الصحيح وإرجاعها إلى مسبباتها الحقيقية وهي أنّ بعضها كانّ احتجاجات مطلبية (أحداث وادي موسى)، أو منافسات عشائرية (حركة العدوان)، أو بسبب إخفاق الدولة في التعامل معها بالأسلوب المناسب (أحداث الكورة) مسجلاً في هذا الصدد سعة أفق الأمير المؤسس في التعامل مع هذه الأحداث، وتسامحه، وعفوه، وقد تكون الغزوات الوهابية هي "الخطر" الخارجي الوحيد الذي تعرض له الكيان الأردني الوليد لأسباب معروفة.
خامساً: توثيق نضال الشعب الأردني ضد الانتداب وإدراكه للخطر الصهيوني على فلسطين مبكراً، بل مساهمته في مقاومة هذا الخطر بالإمكانيات المتيسرة لديه حيث تبدى ذلك من خلال المؤتمرات العديدة التي عقدها وجهاء الأردن، وتشكيل الفرق الفدائية التي شاركت بالفعل في مقاومة الغزو الصهيوني الوشيك في ذلك الوقت. (كتائب الفدائيين برئاسة الشيخ كايد العبيدات).
سادساً: الإشارة بموضوعية إلى موقف الجماهير الأردنية الواعية ضد الأحلاف الغربية في ذلك الوقت "كحلف بغداد"، و"مشروع أيزنهاور" حتى وإن خالف ذلك توجهات الحكومات التي كانت بحاجة ماسة إلى هذه التحالفات لتدعيم وضع الأردن السياسي والاقتصادي.
سابعاً: مقاربة موضوع "العمل الفدائي" "وأحداث السبعين" بصورة ذكية وموضوعية (وبشهادات قيادات العمل الفدائي نفسه وموقف الرئيس عبد الناصر) وخلاصة هذه المقاربة أنّ الصراع كان بين الدولة التي أرادت أن تحافظ على سلطاتها الشرعية والقانونية وبين المنظمات المسلحة التي لم تُوفق في احترام السلطات المختصة وتسببت في الفوضى.
أخيراً، وبحكم أنّ دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة شغل مواقع وزارية عديدة تُوجت برئاسته للوزراء، وبحكم أنه كان نائباً ورئيساً لمجلس الأعيان فقد كان القارئ توّاقاً لسماع رأيه حول مدى مناسبة آلية تشكيل الحكومات في الأردن وسبل تفعيل الإدارة الأردنية، كما كان تواقاً لسماع رأيه حول كيفية الارتقاء بدور مجلس الأمة الأردني بفرعيه (النواب والأعيان) وبخاصة أنه أفرد فصلاً خاصاً للحياة البرلمانية في الأردن، وأنّ البلاد تعيش حالياً مُخاض تحديث المنظومة السياسية.
كتابٌ قيِّم لا يُغني عَرْضُه المُختصر هذا عن قراءَته بتأنٍ وتعمُق.