تحديات تنظيمية وإجرائية أمام القطاع الصناعي
الإجراءات البيروقراطية تعيق تأسيس وتوسعة المنشآت
التفتيش المتكرر يثقل كاهل الصناعيين ويعرقل سير العمل
ضرورة تبسيط الإجراءات الإدارية وتوحيد المرجعيات
تطبيق سياسات تحمي الصناعة الوطنية وتضمن العدالة
أكد رئيس غرفتي صناعة الأردن وعمان، المهندس فتحي الجغبير، أن القطاع الصناعي، رغم التطورات التي شهدها، لا يزال يواجه تحديات ذات أبعاد تنظيمية وإجرائية، حيث تُعد الإجراءات البيروقراطية وتعقيد المتطلبات التنظيمية أبرز هذه المعوقات، ما يجعل المستثمر الصناعي يواجه صعوبات متعددة في الحصول على التراخيص والموافقات اللازمة لتأسيس أو توسيع منشآته.
وأشار الجغبير في تصريح لـ «الرأي» إلى أن القطاع الصناعي الأردني يساهم بشكل كبير في دعم الاقتصاد الوطني من خلال الإنتاج والتشغيل والتصدير، إلا أن العديد من التحديات ما تزال تعيق نموه وتحد من قدرته على المنافسة محليًا ودوليًا.
وأوضح أن الأردن يحتل مرتبة متوسطة في مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال وفقًا للتقارير الدولية، حيث تتطلب عملية تأسيس مشروع صناعي عشرات الإجراءات التي تستغرق وقتًا طويلًا، ما يقلل من جاذبية بيئة الأعمال ويحد من تدفق الاستثمارات الصناعية. وأضاف أن تعدد الجهات الرسمية المعنية بالصناعة وتضارب الصلاحيات يخلق حالة من عدم الوضوح في المرجعيات التنظيمية، ويزيد من كلفة الوقت والجهد على المستثمرين.
ولفت الجغبير إلى أن التفتيش المتكرر وغير المنسق من قبل الجهات الرقابية يشكل عبئًا إضافيًا على أصحاب المصانع والعاملين فيها، إذ غالبًا ما تتم هذه الزيارات دون جدول زمني واضح، ما يؤدي إلى تعطيل سير العمل ويزيد من شعور المستثمرين بعدم الاستقرار التنظيمي، وقد يؤدي أحيانًا إلى إغلاق بعض المنشآت. وشدد على ضرورة توحيد إجراءات التفتيش من خلال جهة رقابية واحدة أو نافذة موحدة لضمان العدالة والشفافية في تطبيق القوانين.
وأكد الجغبير أن ارتفاع كلف الإنتاج، لا سيما أسعار الكهرباء والطاقة، يعد أحد التحديات الرئيسية أمام القطاع الصناعي، حيث تصل الفروقات في الكلفة مع المنافسين في الأسواق المحلية والتصديرية إلى نحو 25%. وأوضح أن الطاقة تشكل ما نسبته 30 إلى 35% من كلف الإنتاج، وترتفع إلى أكثر من 40% في بعض القطاعات مثل الصناعات البلاستيكية والمطاطية. وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف النقل الداخلي، وأسعار المواد الخام، وتعدد الضرائب وارتفاعها، يزيد من الأعباء على الصناعيين ويقلل من جاذبية بيئة الاستثمار.
وأضاف أن القطاع الصناعي يواجه تحديات أخرى مثل ارتفاع المستوردات ذات المثيل المحلي، وضعف تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل مع الدول التي تفرض قيودًا على الصادرات الأردنية، وصعوبة الحصول على التمويل الصناعي بسبب تحفّظ البنوك وارتفاع أسعار الفائدة. كما يعاني القطاع من نقص العمالة الفنية المؤهلة نتيجة ضعف مخرجات التعليم المهني والتقني، وعزوف الشباب عن العمل في المهن الإنتاجية، ما يدفع العديد من المصانع للاعتماد على العمالة الوافدة ذات التكلفة العالية. وأضاف الجغبير أن ضعف مراكز البحث والتطوير وقلة الاستثمار في الابتكار والتكنولوجيا تحد من قدرة الصناعة الأردنية على التحول نحو منتجات ذات قيمة مضافة عالية.
وأشار إلى أنه في ضوء هذه التحديات، تتطلب المرحلة القادمة تبني حزمة من الحلول العملية لتعزيز تنافسية القطاع الصناعي وتحقيق نمو مستدام، من بينها تبسيط الإجراءات الإدارية وتوحيد المرجعيات عبر جهة واحدة لخدمة المستثمرين الصناعيين، وتفعيل نظام التفتيش الموحد الذي يضمن التنسيق بين الجهات الرقابية ويقلل من الزيارات العشوائية. كما أكد على أهمية خفض كلف الإنتاج والطاقة، وتوسيع استخدام الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة لتقليل الأعباء على المنشآت وزيادة قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية.
كما شدد على ضرورة تبني سياسات حمائية لضمان العدالة في المنافسة أمام المنتجات الأجنبية، من خلال تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، ومواءمة المعايير والمواصفات للمنتج المحلي والمستورد، وضبط المستوردات التي لها بديل محلي. وأوضح أن ذلك يساهم في حماية الصناعة الوطنية وضمان استمرارها في خلق فرص العمل ودعم الاقتصاد.
ولفت الجغبير إلى أهمية تعزيز بيئة الاستثمار الصناعي عبر حوافز نوعية وجاذبة تركز على الصناعات عالية القيمة وسلاسل القيمة المضافة، سواء من خلال الإعفاءات الضريبية المؤقتة أو توفير الأراضي الصناعية بأسعار مدعومة، أو تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وأكد على تسريع الإجراءات البيروقراطية، وربط الجهات الحكومية إلكترونيًا لتقليل الوقت والتعقيد على المستثمرين.
وأكد أيضًا على ضرورة تنويع الصادرات وتعزيز منظومة التصدير والترويج الصناعي عبر برامج وطنية لفتح أسواق جديدة، وتقديم حوافز تصديرية على أساس الأداء، وتفعيل دور الملحقيات التجارية الأردنية لدعم وصول المنتج الأردني إلى الأسواق الإقليمية والدولية، مع تكثيف البرامج الترويجية وتحسين الوصول إلى التمويل الصناعي، وتفعيل المقاصة المالية بين الجهات الحكومية وتسريع دفع المستحقات للشركات الصناعية.
وأشار الجغبير إلى أهمية تحسين المهارات الفنية من خلال تطوير التعليم التقني والمهني وربطه باحتياجات القطاعات الصناعية الحديثة عبر المجالس القطاعية وبرامج التعليم المزدوج، واعتماد مخرجاتها، وإعادة هيكلة مراكز التدريب المهني لجعلها أكثر جاذبية، مع إدخال مساقات مستقبل الإنتاج في التعليم الأكاديمي. وأكد أن نجاح الصناعات عالية القيمة يعتمد على وجود عمالة ماهرة قادرة على الابتكار واستخدام التقنيات الحديثة.
كما نوّه الجغبير إلى ضرورة التحول نحو الاقتصاد الأخضر والابتكار، عبر دعم المصانع في تبني الإنتاج المستدام وترشيد الموارد، واعتماد الحلول الرقمية والأتمتة الصناعية، وإنشاء مراكز بحث وابتكار متخصصة لتعزيز الإنتاجية والجودة وتقليل الكلف.
وختم الجغبير بالقول إن تمكين الصناعة الأردنية من قيادة مشروع التحديث الاقتصادي يتطلب تنفيذًا متكاملًا وتشاركيًا لهذه السياسات، بما يتماشى مع الرؤية الوطنية، وتكامل جهود الحكومة والقطاع الخاص، لتعزيز النمو المستدام والابتكار، وترسيخ الصناعة كأقوى محرك للنمو والتشغيل في الاقتصاد الأردني.