- حلالشة: الأردن يتقدم في تبني الذكاء الاصطناعي بسرعة
- الدماطي: المرتبة المتقدمة دليل على جاهزية الأردن للتحول الرقمي
في وقت تتسارع فيه ثورات التكنولوجيا وتزداد تطبيقات الذكاء الاصطناعي حضورا في تفاصيل الحياة اليومية، سجل الأردن موقعا متقدما على خارطة الابتكار الرقمي، بحلوله ثالثا عربيا و29 عالميا بنسبة 25.4 بالمئة في مؤشر انتشار الذكاء الاصطناعي بين السكان في سنّ العمل، وفقا لتقرير "انتشار الذكاء الاصطناعي" الصادر عن معهد اقتصاد الذكاء الاصطناعي لدى مايكروسوفت.
ويظهر التقرير أن الأردن يتميز بنسبة تبنٍّ مرتفعة مقارنة بحجمه الاقتصادي، مدفوعا بالاستثمار في التعليم التقني، وبرامج تمكين الشباب وريادة الأعمال التكنولوجية، إلى جانب انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في مجالات التعليم، والإعلام، والخدمات الرقمية.
ويشير هذا التقدم إلى أن انتشار الذكاء الاصطناعي يعد جزءا من استراتيجية وطنية لتعزيز التحول الرقمي، ودعم الاقتصاد المعرفي، وتطوير المهارات التقنية للكفاءات الشابة. وتعكس النتائج جهدا متواصلا لدمج الأدوات الرقمية في التعليم والإنتاج والخدمات، بما يتماشى مع الرؤية الوطنية لتعزيز الابتكار وريادة الأعمال.
ورغم أن هذه النتيجة تعكس اهتماما متزايدا بالتقنيات الحديثة، وتوجها وطنيا نحو مواكبة التطورات الرقمية، إلا أنها تطرح تساؤلات حول طبيعة هذا الاستخدام، ومدى تحوله إلى أداة فاعلة للإنتاج والابتكار في الاقتصاد والتعليم وسوق العمل.
هوية تكنولوجية
من هذا المنطلق، ترى رئيسة قسم الصحافة والإعلام والاتصال الرقمي بالنيابة في الجامعة الأردنية، الدكتورة نفين حلالشة، أن هذا الإنجاز على المستويين العربي والعالمي يعكس تميز الأردن وريادته في القطاع التكنولوجي.
وتضيف في تصريح خاص لـ"الرأي": "رغم محدودية الإمكانيات الاقتصادية مقارنة بالدول ذات الاقتصاد القوي، يتميز الأردن بلمسة وهوية واضحة في المجال التكنولوجي؛ ما جعله يتبنى بسرعة كل ما هو جديد في عالم التكنولوجيا عموما، والذكاء الاصطناعي خصوصا".
وتؤكد أن وجود الأردن في هذه المرتبة لا يعني مجرد الحضور في القائمة، وإنما يعكس تقدمه واستعداده الكامل لاستقبال الثورة المقبلة في عالم الذكاء الاصطناعي، وتضيف: "نحن لا نريد أن تكون هذه المقاييس كمية فقط، بل نأمل أن تشمل قياس الأثر العملي والمهني لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات".
وتشير إلى أن كلفة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي قد تشكل عائقا أمام انتشارها بشكل أوسع، موضحة: "لو كانت هذه الأدوات متاحة مجانا لكانت النسبة أعلى؛ لأن العديد من المستخدمين لا يستطيعون تحمل التكاليف المالية، خاصة أن الأدوات أصبحت متخصصة حسب المجالات، مثل التعليم أو الصحة وغيرها".
وتضيف أن هذا التقدم يضع الأردن أمام تحدٍّ جديد يتمثل في تأهيل الكوادر مهنيا وأخلاقيا لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مبينة: "نحن بحاجة إلى وضع إطار واضح ومعايير متخصصة لكل مجال، تحدد الاستخدام السليم والمسؤول لهذه الأدوات".
وفي السياق الأكاديمي، تلفت حلالشة إلى أن الجامعة الأردنية كانت سباقة في تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي من خلال وثيقة الإفصاح الخاصة به، موضحة: "الجامعة وضعت وثيقة للإفصاح عن استخدام أدوات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، يلتزم بها الطلبة وأعضاء الهيئة التدريسية، بحيث يكون الاستخدام مسموحا وأخلاقيا وواعيا في مختلف المجالات".
وتشدد على دور الإعلام في نشر الوعي بالذكاء الاصطناعي، قائلة: "الإعلام هو الأداة الأقوى في نشر الوعي المعرفي والثقافي في المجتمعات، وهو مسؤول عن توعية الجمهور بمفاهيم الذكاء الاصطناعي وآليات عمله. كما يجب أن تكون هناك منظومة تشريعية متخصصة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام والصحافة وكل قنوات الاتصال مع الجمهور".
وعي متزايد
من جانبه، يقول خبير استراتيجيات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي في شركة "ميتاسيرف مي"، المهندس رامي الدماطي، إن إحراز الأردن هذا التقدم يعد دليلا واضحا على أن المملكة دخلت مرحلة متقدمة في مسار التحول الرقمي، مشددا على أن هذه المرتبة لا تعبر فقط عن حجم استخدام الأدوات الذكية، بل عن وعي متزايد بقيمة الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل والتعليم والإنتاج.
ويبين المداطي، من منظور التطور التقني، في تصريح خاص لـ"الرأي": "يظهر هذا الإنجاز أن الأردن بدأ يجني ثمار استثماراته في البنية التحتية الرقمية والتعليم التقني، وأنه يواكب دولا متقدمة في مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي على المستوى الفردي والمؤسسي".
ويكمل أن هذا الإنجاز أيضا يعكس تحولا ثقافيا في سلوك القوى العاملة نحو التفاعل مع التقنيات الحديثة باعتبارها أدوات إنتاج ومعرفة، لا ترفا تقنيا.
ويضيف أن من الممكن استثمار هذه النتيجة في تعزيز تنافسية الأردن الإقليمية، عبر تحويل الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي إلى منظومة اقتصادية متكاملة تدعم الابتكار وريادة الأعمال، قائلا: "الدول التي تمتلك قاعدة مستخدمين نشطة تستطيع أن تُطوّر منتجات محلية تستند إلى احتياجات السوق الحقيقي".
ويكمل: "من هنا، يمكن للحكومة والقطاع الخاص بناء مراكز ابتكار ومسرّعات أعمال متخصصة بالذكاء الاصطناعي، وربط الجامعات بالشركات لاحتضان الأفكار وتطوير النماذج الأولية؛ ما يمكن الأردن من أن يصبح مركزا إقليميا لتقنيات الذكاء الاصطناعي في العالم العربي، خاصة في مجالات التعليم، الصحة، والخدمات الرقمية الحكومية".
ويشير إلى أنه، رغم هذا التقدّم، ما تزال هناك تحديات تحدّ من انتشار الذكاء الاصطناعي بين الأفراد، أهمها ضعف الثقة في الأدوات الرقمية بسبب الخوف من فقدان الخصوصية، والفجوة التقنية بين المدن والمناطق الأقل حظًا، إلى جانب نقص التدريب المتخصص الذي يمكّن الأفراد من الانتقال من الاستخدام البسيط إلى الإبداع التقني.
ويتابع أن غياب تشريعات واضحة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض القطاعات يشكل أيضا عائقا أمام توسع آمن ومستدام لهذه التقنيات.
ويرى أن التركيز الحالي على “الذكاء الاصطناعي التوليدي” يعد خطوة إيجابية، لكنه غير كافٍ لبناء اقتصاد معرفي مستدام، موضحا أن التنمية الحقيقية تتطلب سياسات تعليمية ومهنية شاملة تُعيد تصميم المناهج والبرامج الجامعية لتشمل مهارات تحليل البيانات، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، إلى جانب إنشاء برامج لإعادة تأهيل الموظفين في سوق العمل لمواكبة التحولات التقنية المتسارعة.
ويؤكد: "يجب أن تتجاوز الجهود حدود الأدوات إلى بناء عقلية وطنية تعتمد الذكاء الاصطناعي كجزء من عمليات التفكير والإنتاج."
ويختم الدماطي بالقول إن انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي بين العاملين لا يعني بالضرورة جاهزية سوق العمل الكاملة لاستيعاب هذه المهارات، موضحا أن هناك فارقا بين المهارات المكتسبة والمتطلبات الفعلية في قطاعات الصناعة والخدمات.
مشيرا إلى "الكثير من المؤسسات تستخدم الأدوات الذكية دون استراتيجيات واضحة لتكاملها مع المهام الوظيفية أو خطط التدريب المهني، لذلك تتطلب المرحلة المقبلة مواءمة حقيقية بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، وبناء وظائف جديدة قائمة على الذكاء الاصطناعي، لضمان أن يتحول هذا الانتشار من استخدام استهلاكي إلى إنتاج معرفي ذي قيمة اقتصادية مستدامة".