أعلنت شركة أمازون، إحدى أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، عن تسريح آلاف الموظفين العاملين في الوظائف المكتبية، في خطوة تُعدّ من أوسع عمليات إعادة الهيكلة التي تشهدها الشركة في السنوات الأخيرة. ويأتي هذا القرار كردّة فعل على التطور المتسارع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي باتت تؤدي مهام كانت تُنفَّذ سابقاً من قبل موظفين بشريين، ما دفع الشركة إلى إعادة تصميم هيكلها الإداري وتبسيط نفقاتها التشغيلية، والتركيز على الكفاءات التقنية والمهارات المستقبلية.
ورغم أن هذا الحدث يقع خارج الحدود الجغرافية للأردن، إلا أن انعكاساته تمتد إلى الداخل، نظراً لكون سوق العمل الأردني جزءاً من المنظومة العالمية التي تتأثر بإيقاع التحول الرقمي المتسارع. وقد كشفت موجة التسريحات الأخيرة أن الوظائف الأكثر عرضة للاستغناء ليست تلك اليدوية أو التشغيلية كما كان متوقعاً، بل الوظائف المكتبية ذات الطبيعة الإدارية والمهنية، وهو ما يدلّ على تغير عميق في طبيعة الأعمال وفي شكل الطلب على المهارات.
يأتي ذلك في وقت يعاني فيه الأردن أصلاً من معدلات مرتفعة في البطالة، لا سيما بين الشباب وحملة الشهادات الجامعية، ما يضاعف أهمية الاستعداد المحلي لهذه التحولات. تشير بيانات عام 2024 إلى أن نسبة البطالة بلغت نحو 21.4% على المستوى الوطني، فيما وصلت بين حملة الشهادات الجامعية إلى نحو 25.8%. كما أن مشاركة النساء الاقتصادية لم تتجاوز 14.9%، وهي من أدنى النسب في المنطقة. وفي المقابل، قُدر حجم قوة العمل بحوالي 3.08 مليون شخص، بينما لا يتجاوز معدل التوظيف 26.4% من السكان في سن العمل. هذه المؤشرات تعكس حجم الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل من ناحية، وبين حجم القوى العاملة والفرص المتاحة فعلياً من ناحية أخرى.
إن قرار أمازون يمثل نموذجاً عملياً لما يمكن أن تواجهه أسواق العمل حول العالم، بما فيها الأردن، خلال السنوات المقبلة. فالتغيير لم يعد مرتبطاً فقط بالتحول من الوظائف اليدوية إلى التقنية، بل تجاوز ذلك إلى استبدال جزء من الأعمال المكتبية بأخرى تُدار عبر البرمجيات والذكاء الاصطناعي، وهو ما يفرض على الحكومات والقطاع الخاص إعادة النظر في سياسات التشغيل ونماذج الأعمال وطبيعة الكفاءات المطلوبة خلال المرحلة المقبلة.
وفي السياق الأردني، لا بد من التحرك سريعاً لمواءمة أنظمة التعليم والتدريب مع متطلبات سوق العمل المستقبلي. يتطلب ذلك توجيه الجهود نحو تطوير مناهج تعليمية محدثة تتضمن مهارات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأمن السيبراني والتحليل الرقمي، إضافة إلى تعزيز التدريب العملي وربط الجامعات والشركات بعلاقات أكثر فاعلية. كما على القطاع الخاص الاستثمار في إعادة تأهيل موظفيه وتحديث أدواته التشغيلية، والاستفادة من البيانات والذكاء الاصطناعي لتحسين الإنتاجية وخلق وظائف جديدة ذات قيمة مضافة.
لا يعني التحول الرقمي اختفاء الوظائف بالكامل، بل تحولها. فبينما ستتراجع بعض الوظائف التقليدية، سينمو الطلب على اختصاصات جديدة مثل محللي البيانات، ومطوري الذكاء الاصطناعي، وخبراء الأمن السيبراني، ومهندسي الأتمتة، والمتخصصين في الابتكار وريادة الأعمال. وسيكون المستقبل لمن يمتلك المهارات الملائمة، لا لمن يحمل الشهادات فقط.
إن تسريح آلاف الموظفين في شركة بحجم أمازون ليس مجرد حدث اقتصادي، بل رسالة واضحة بأن شكل سوق العمل يتغير بسرعة، وأن من يتباطأ في الاستعداد لهذه المرحلة قد يواجه تحديات كبيرة. وعلى الأردن أن ينظر إلى هذا التحول باعتباره فرصة لتعزيز تنافسيته، عبر الاستثمار في رأس المال البشري، وبناء منظومة متكاملة للتعليم والتدريب، وتحفيز الابتكار والتكنولوجيا. فالمستقبل لا ينتظر أحداً، ومن يستعد له اليوم سيكون جزءاً من صناعته، لا مجرد متلقٍ لتداعياته.