إذا رجعنا إلى القرن العشرين فإنّنا نلاحظ أنه كان هناك قوتان رئيسيتان متنافستان هما: بريطانيا وفرنسا، وقد دلّ على ذلك بوضوح أنهما هما اللتان اقتسمتا ترِكة الدولة العثمانية بعد انهيارها في أعقاب الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، وغني عن القول أن جزءاً من هذه الترِكة كان الوطن العربي الذي تم تقاسمه بين هاتين الدولتين الاستعماريتين في إطار ما عُرف بمعاهدة سايكس بيكو (1916) حيث كان سايكس وزير خارجية بريطانيا يمثلها في حين كان بيكو يمثل فرنسا.
وفي منتصف القرن الماضي تراجع نفوذ هاتين الدولتين إلى درجة كبيرة، وحلّ محلهما بالتدريج متنافسان جديدان وهما الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، وقد حدث ولأول مرة في التاريخ أن هذين المتنافسين الجديدين يمتلكان أسلحة نووية تستطيع أن تُدمّر العالم بكل ما فيه من مقومات الحياة، والواقع أن ولادة الولايات المتحدة كقوة عُظمى بدأ في أعقاب الحرب العالمية الأولى بينما وُلِدَ الاتحاد السوفيتي كقوة عُظمى في أعقاب الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945).
إنّ مما لا شك فيه أن الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي فيما عُرف "بالحرب الباردة" ظل محتدماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبروز الاتحاد السوفيتي كقوة كونية وحتى عام 1991 عندما سقط الاتحاد السوفيتي وقد اعتبر الزعيم الروسي الحالي بوتين هذا السقوط (أعظم حدث جيوسياسي في القرن العشرين).
منذ سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، تسيّدت الولايات المتحدة وأصبح القطب الأمريكي يتربع على عرش العالم، الأمر الذي أدى بدون شك إلى "اختلال في التوازن"، ولعلّ مما ساعد على حدوث هذا الاختلال:
أولاً: غياب أية قوة عظمى أخرى مؤهلة للمنافسة، فروسيا تمتلك (6000) رأس نووي استراتيجي، أيّ أنها قوة عسكرية من الدرجة الأولى وتُعدّ نداً للولايات المتحدة في هذا المجال، ولكنها من الناحية الأخرى قوة اقتصادية متوسطة (تتراوح مكانتها بين الرابعة والتاسعة حسب معظم التصنيفات المختصة) ولا يمكن مقارنتها بالولايات المتحدة، الذي تُعد القوة الاقتصادية الأولى دولياً ويشكل اقتصادها ربع اقتصاد العالم.
ثانياً: بروز الصين كثاني قوة اقتصادية في العالم، ولكن بقوة نووية متواضعة (300 رأس نووي) مقارنة بما تمتلكه الولايات المتحدة وروسيا، والواقع أن الصين ليس لديها حتى الرغبة في ممارسة نفوذ على مستوى العالم لسببين: أولهما أنها لم تعد دولة ذات أيديولوجيا تريد أن تنشرها كما كانت سابقاً في عهد زعيمها التاريخي "ماو تسي تونغ"، وثانيهما أنها -ولأسباب تاريخية- لا ترغب بالتوسع مكتفيةً بأرضها الشاسعة (9 مليون كم2)، وقد لا يعرف الكثيرون من أنّ الصينيين كانوا يطلقون على مملكتهم "مملكة السماء" كما كانوا يعتقدون أن حدود الصين هي نهاية العالم. صحيح أن الصين تحاول الآن مدّ نفوذها في بحر الصين الجنوبي، وصحيح أنها تبني بعض القواعد العسكرية في بعض الدول إلّا أن هذا التوسع - إذا جاز التعبير- ما زال خجولاً ومتناسباً مع القوة الاقتصادية الصينية ولا يبدو أنه سوف يتحول إلى نفوذٍ "استعماري" على النمط الغربي.
ثالثاً: تآكل التجمعات السياسية الدولية التي كان يمكن أن تُحدث التوازن في الساحة الدولية كما فعلت منظومة "دول عدم الانحياز" إبّان الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. لقد ضَعُف هذا التجمع بعد غياب زعمائه التاريخيين (ناصر، نهرو، تيتو)، ولم يبرز بديل له ذو مصداقية.
هل يعني ما سبق أن الميدان قد خلا تماماً للولايات المتحدة؟ هل يعني أنه ليس هناك نواة "أقطاب متعددة" تحاول البروز ولَعِب دور أكبر مثل الهند، والبرازيل وغيرهما؟ بالتأكيد هذا حاصل فعلاً وهناك قوى عديدة تحاول أخذ مكانها في نادي "كبريات الدول" ولكن الحقيقة تظل قائمة وواضحة تماماً وهي أن الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة الآن في عالم اليوم، الأمر الذي أهّلَ رئيسها ترامب لكي يشن "حرباً تجارية" على العالم، وأن يتدخل في كافة الأزمات غير حاسب أيّ حساب حقيقي لأية دولة أخرى.
إلى متى يمكن أن يستمر هذا الوضع؟ لا أحد يستطيع أن يخمن بالضبط لأنّ تطور ظروف الدول العسكرية، والاقتصادية، والسياسية أمر مرهون بمتغيرات كثيرة ولكن ما يمكن أن نقوله بغير مجازفة هو أن الصين هي المؤهلة أكثر من غيرها لأن تُصبح نداً حقيقياً للولايات المتحدة بما تمتلكه من قوة اقتصادية، وعسكرية، وحضارية، ولكنّ ذلك لن يحدث على الأرجح قبل ثلاثة إلى خمسة عقود قادمة، ومن يَعِشْ يَرَ!!