عاين أكاديميون وباحثون في حوارية فكرية نظمتها مديرية ثقافة الكرك الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية والبنيوية في كتاب "علم اجتماع الأحزاب: المضامين الأيديولوجية والوظيفية الوضعية في ظل العولمة" لمؤلفه أستاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة الدكتور حسين محادين.
وسلّط المتحدثون في الندوة، التي عقدت في مركز الحسن الثقافي بحضور مساعد أمين عام وزارة الثقافة للشؤون الثقافية والفنية ومديرة ثقافة الكرك عروبة الشمايلة، ونخبة من الأكاديميين والباحثين والمهتمين بالشأنين السياسي والاجتماعي، الضوء على أهمية المؤلف باعتباره يؤسس لعلم جديد خاص بالأحزاب من منظور اجتماعي حديث، في ظل ندرة الدراسات والأبحاث المحلية والعربية التي تتناول هذا الموضوع بالتحليل الفكري المعمق.
وأكد أستاذ علم الاجتماع ومدير إذاعة صوت الكرك الدكتور مراد المواجدة أن الكتاب يستحق أن يكون مساقا جامعيا ضمن مقررات علم الاجتماع السياسي في الجامعات الأردنية، لما يحتويه من رؤية علمية رصينة ونهج معرفي جديد في تناول الظاهرة الحزبية.
وأضاف المواجدة أن المؤلف قدم طرحا فكريا متماسكا بلغة أكاديمية مبسطة، داعيًا إلى تبسيط المفاهيم الأساسية فيه لتكون أكثر قربًا من القارئ والطالب، باعتباره مرجعًا مهمًا لفهم العلاقة بين المجتمع والأحزاب في زمن التحول السياسي.
ودعا الباحث السياسي حسني الصعوب إلى تفكيك النص وتحليل بنيته الفكرية، معتبرًا أن الكتاب يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة العمل الحزبي وموقعه في ظل العولمة. وأشار الصعوب إلى أن مفهوم العولمة ما يزال ملتبسًا لدى كثيرين، إذ ترفض بعض المجتمعات جوهره بسبب تغلغل رأس المال المادي وهيمنته على القيم والمعايير الاجتماعية، مشددًا على أهمية تقديم قراءة فكرية معمقة للكتاب تفتح آفاقًا جديدة لفهم تأثير العولمة على الهوية الحزبية.
بدوره، أشاد المحامي والناشط السياسي علي الذنيبات بما قدمه الدكتور محادين من جهد علمي وفكري متميز، معتبرا أن الكتاب يؤسس لعلم جديد يمكن تسميته بـ«علم اجتماع الأحزاب»، ويضع قواعد عامة يمكن البناء عليها في الدراسات المستقبلية.
وأضاف الذنيبات أن ما تضمنه الكتاب من منهجية تحليلية جديدة لم يسبق طرحها بهذه الصيغة في الأدبيات العربية، خاصة في ما يتعلق بربط الأحزاب بثقافة المجتمع واحتياجاته الواقعية، مبينًا أن غالبية الأحزاب ما تزال بعيدة عن نبض الناس ومطالبهم، ما يجعل هذا الكتاب خطوة مهمة لإعادة ربط الفكر السياسي بالبيئة الاجتماعية وتحولاتها في ظل العولمة.
وفي تعقيبه العلمي على مضامين الكتاب ومبررات إطلاقه، أوضح الدكتور حسين محادين أن هذا العمل جاء استجابةً للتحولات العالمية المتسارعة في ظل العولمة، والحاجة إلى فهم التغيرات التي أصابت البنية الحزبية نتيجة تأثير رأس المال المادي والمعنوي على الأيديولوجيات السياسية والاجتماعية.
وأشار محادين إلى أن الكتاب يحمل في جوهره تساؤلات فكرية مفتوحة حول هوية الأحزاب ومستقبلها في زمن العولمة، ويقدّم قراءة نقدية تجمع بين النظرية والتطبيق.
وبيّن أن الأحزاب ذات الأيديولوجيات الأممية والدينية والشمولية أثبتت هشاشة تجاربها في الإجابة على أسئلة المعاصرة، لا سيما في ظل سيادة القطب العولمي الواحد، إضافة إلى التطورات التكنولوجية التي غيّرت وجه العالم واتجاهاته.
وأوضح أن الأحزاب الأممية الوضعية – أي التي نشأت من فكر بشري – والتي رفعت شعار «يا عمال العالم اتحدوا» أثناء الحرب الباردة، لم تتمكن من الاستمرار في تنفيذ أطروحاتها الاشتراكية الشمولية، مشيرا إلى أن الأحزاب القومية المتصارعة بدورها أخفقت في تحقيق وحدة اقتصادية أو سياسية أو مصلحية بين أتباعها.
وأضاف محادين أنه بعد هيمنة أيديولوجية العولمة والرأسمالية الوظيفية منذ تسعينيات القرن الماضي، لم يعد أمام الدول النامية سوى التكيف مع المستجدات الدولية، ما استدعى التبني القانوني للأحزاب البرامجية التي تتعامل مع التغيير والتحديث والحريات الفردية والانتخابات بأسلوب تنافسي وبرامجي.
وأشار إلى أن الأحزاب البرامجية المحلية والعربية الحديثة النشأة تمثل اليوم نموذجًا واعدًا، لافتًا إلى أن الانتخابات النيابية الأخيرة شكّلت عتبة أولى لتطوير برامج هذه الأحزاب وتوسيع قاعدة عضويتها.
وأكد محادين أن مصلحة الدولة الأردنية والمواطنين تجسدت في وجود أحزاب غير مؤدلجة تمثل ترجمة عملية لـمنظومة التحديث السياسي والاقتصادي والإداري التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني.
من جانبها، قدمت الإعلامية تقوى البطوش مقدمة الجلسة، مستعرضة سيرة الدكتور محادين الأكاديمية والبحثية التي تمتد لعقود، مشيدةً بإسهاماته في دراسة البنية الثقافية والسياسية للمجتمع الأردني، ورؤيته التي تجمع بين النهج الأكاديمي والمسؤولية الوطنية.
وأكدت أن مؤلفه «علم اجتماع الأحزاب» يشكّل مرجعا مهما لكل من يسعى إلى فهم العلاقة بين السياسة والمجتمع في السياقين المحلي والعربي.
وشهدت الحوارية نقاشات موسّعة تناولت مفاهيم العولمة والهوية السياسية ومستقبل الأحزاب في الأردن، ودور الشباب والمرأة في الحياة الحزبية، إضافة إلى تساؤلات حول كيفية مواءمة الأيديولوجيات الحزبية مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة.