تُعدّ الرياضة من أهم الوسائل التي تسهم في تعزيز الصحة الجسدية والنفسية للإنسان بشكل عام، وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن لها دورا كبيرا في دعم الأطفال والبالغين المصابين باضطراب طيف التوحّد.
والرياضة ليست مجرد نشاط بدني، بل هي وسيلة فعّالة لتنمية المهارات الاجتماعية، وتحسين التواصل والتركيز، وتقليل السلوكيات السلبية، وتعزيز الثقة بالنفس والشعور بالإنجاز، مما ينعكس إيجابًا على جودة حياة المصابين بالتوحّد وأسرهم، وتُعدّ إيضاً جزءاً مهماً من برامج العلاج الحديثة من النواحي الجسدية والنفسية والسلوكية.
من جهته، عرّف الدكتور محمد الجابري، الأستاذ المشارك في قسم الإرشاد والتربية الخاصة في الجامعة الأردنية، اضطراب التوحّد بأنه اضطراب نمائي عصبي يظهر لدى الأطفال خلال مرحلة الطفولة المبكرة (حتى عمر 8 سنوات).
وأضاف أن هناك تعريفاً آخر ينسجم مع وجهة نظر مغايرة، ينظر إلى التوحّد على أنه تنوّع نمائي عصبي يظهر في القدرة على التواصل والتفاعل الاجتماعي، وفي السلوكيات النمطية والتكرارية، والاهتمامات الضيقة، والاستجابات غير الاعتيادية للمدخلات الحسية. ويمكن تشخيصه في مرحلة الطفولة المبكرة أو في مراحل عمرية لاحقة، مثل مرحلة الرشد.
وأوضح الدكتور الجابري أن الرياضات مثل السباحة والفنون القتالية كالتايكواندو تُعدّ من الوسائل الفعّالة لتحسين التوازن الحركي والتوافق العضلي العصبي، وتعزيز التركيز والانتباه لدى الأطفال. فالكثير من الأطفال المشخّصين بالتوحّد يُظهرون ضعفًا في المهارات الحركية الدقيقة والمركبة، ما يجعل التدريب البدني المنتظم أداة علاجية مهمّة لتحفيز الدماغ وتنشيط الجهاز العصبي، وتحسين القدرة على تنفيذ الحركات المنسّقة والمتتابعة.
وأشار إلى أن رياضة التايكواندو تُعد مثالاً مميزاً، إذ تعتمد على الدمج بين الحركة الدقيقة، والتوازن الحركي، وردّات الفعل السريعة، فعندما يتدرب الطفل على أداء حركة معينة، يحتاج إلى توازن جسدي، وانسجام بين العين والقدم، وتركيز ذهني لتحديد التوقيت الصحيح للحركة. هذا الدمج بين الجهد الذهني والجسدي يساهم تدريجياً في تقوية التواصل بين الدماغ والجسم، مما ينعكس إيجاباً على القدرات الإدراكية والاجتماعية.
الرياضة للتواصل والدمج
أوضح المدرب أيوب العجلوني، المتخصص في علوم الرياضة، أن للأنشطة الرياضية المنظمة أثراً كبيراً على الأطفال المشخّصين بالتوحّد، معتبراً أن الرياضة تمثل جسراً للتواصل وتحسين جودة الحياة، فهي ليست مجرد وسيلة لتقوية الجسد، بل تُعد لغة عالمية للتواصل الإنساني، وبالنسبة للمشخّصين بالتوحّد، فهي بوابة نحو التفاعل الإيجابي مع البيئة المحيطة، وفرصة لبناء الثقة والاستقلالية وتحقيق التوازن النفسي والاجتماعي.
وأضاف العجلوني أن الدراسات تشير إلى أن الأنشطة الرياضية المنتظمة وسيلة فعّالة لتحسين صحة الأشخاص المشخّصين بالتوحّد، جسدياً ونفسياً واجتماعياً، فالرياضة تربط الطفل بالعالم الخارجي، وتساعده على تطوير مهارات جديدة وتعزيز ثقته بنفسه.
وأشار إلى أن الأنشطة الرياضية تساعد على تنظيم الطاقة الزائدة وتقليل السلوكيات التكرارية، كما تحفّز إفراز هرمونات السعادة مثل الإندورفين والسيروتونين والدوبامين، مما يخفف من القلق والتوتر ويحسّن المزاج العام.
ومع مرور الوقت، وعلى حد وصفه تتعزّز مهارات التقليد الحركي والتواصل البصري، وهما عنصران أساسيان في التطوّر اللغوي والاجتماعي، وقد أكّدت دراسات في علم النفس الرياضي أن هذا النوع من التفاعل الجماعي لا يقتصر أثره على وقت التدريب داخل المركز الرياضي، بل يمتد ليظهر في سلوك الطفل خارج بيئة النادي، سواء في المدرسة أو المنزل.
كما أكد العجلوني أن الرياضة ليست مجرد نشاط بدني أو وسيلة للتسلية، بل هي مساحة حقيقية للدمج والتقبل. فعندما يشارك الطفل المشخّص بالتوحّد في التدريبات جنبًا إلى جنب مع أقرانه، يبدأ بالشعور بأنه جزء من الفريق، وأن لديه القدرة على المشاركة والتفاعل، وأن له دورًا فعالاً في المجموعة وهذا يعزز بداخله إحساسًا بالانتماء والقبول، ويزيد من ثقته بنفسه وبقدراته.
وكشف أن التمارين الجماعية تتيح فرصة للتواصل الطبيعي، وتخلق بيئة آمنة يتعلم الطفل من خلالها كيف يتقبّل التوجيه والتشجيع. ومع استمرار التدريب المنتظم والاندماج ضمن المجموعات، تتاح له فرصة لتعلّم مهارات حياتية متعددة، ومع كل كلمة تشجيع من المدرب، وكل تصفيق من الزملاء، ينمو داخل الطفل شعور بالفخر والثقة، ويزداد استعداده للتفاعل والانخراط في المجتمع.
وتحدث العجلوني عن بدء مراكز تدريب رياضية متخصصة، مثل مراكز الفنون القتالية (التايكواندو)، بدمج الأطفال المصابين بالتوحّد في برامجهم التدريبية، ضمن خطط مدروسة تراعي قدراتهم الفردية، وقد أظهر هؤلاء الأطفال تحسناً ملحوظاً في التركيز والتواصل والانضباط بعد أسابيع قليلة من ممارسة الأنشطة الرياضية المنتظمة، مما يجعل الرياضة أحد أهم الأساليب الداعمة لهم.
فوائد الرياضة
تحسين التوازن والتنسيق الحركي.
تقوية العضلات والعظام وزيادة اللياقة العامة.
تحسين النوم وتقليل فرط النشاط.
تقليل القلق والتوتر والعصبية.
تعزيز التركيز والانتباه.
تشجيع التفاعل والتواصل مع الآخرين، خاصة في الألعاب الجماعية.
تعلّم الالتزام بالقواعد والدور والانتظار.
أفضل أنواع الرياضة
السباحة (تُعد الأفضل عادة).
المشي أو الجري الخفيف.
ركوب الدراجة.
تمارين اليوغا البسيطة أو التمارين الحركية الإيقاعية.
الفنون القتالية الهادئة مثل الكراتيه أو التايكواندو، لتعزيز الانضباط والتركيز.