شكل خطاب العرش السامي، الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين في افتتاح الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة العشرين، محطة وطنية جامعة تؤكد ثبات النهج واستمرارية الرؤية، وتجدد في الوقت ذاته العهد بين القيادة والشعب على مواصلة مسيرة البناء والتحديث والإصلاح.
خطاب حمل في طياته رسائل العزم والثبات، ومضامين سياسية وتنموية واقتصادية واجتماعية، تعكس عمق الرؤية الملكية واستشرافها لمستقبل الدولة الأردنية الحديثة، وسط تحولات إقليمية ودولية متسارعة.
كريشان: استنهاض الهمم وتجديد العهد
وفي حديثه إلى "الرأي" قال النائب حسين كريشان، إن خطاب العرش حمل بين طياته "معاني الفخر والعزة، وجدد التأكيد على أن الأردن سيظل شامخاً وصلبا أمام كل التحديات".
وأضاف أن الخطاب الملكي، ومنذ اللحظة الأولى لافتتاح الدورة، تجلت الرمزية الهاشمية العريقة في العلاقة الوثيقة بين القيادة والإرادة الشعبية تحت قبة البرلمان، لتتجسد معاني السيادة والديمقراطية الأردنية في أبهى صورها، "الخطاب لم يكن مجرد مناسبة دستورية، بل وثيقة وطنية متكاملة، عبر فيها جلالته عن فلسفة الدولة الحديثة، وعن إرادة لا تعرف التردد في مواجهة التحديات، بل تسعى دوماً لتحويلها إلى فرصٍ وإنجازات".
وتابع أن الخطاب "جاء متكاملاً في الرؤية، عميق الدلالة، يعكس روح الوطن ومسيرته الراسخة، ويشكل دعوة صادقة لاستنهاض الهمم وتجديد العهد بين القيادة والشعب".
وأشار كريشان إلى أن "الخطاب وضع الجميع أمام مسؤولياتهم الوطنية، مؤكدا أن الإصلاح نهج متكامل لا يُختزل بقرار أو قانون، بل هو مسيرة مستمرة عنوانها الثقة بالإنسان الأردني وقدرته على البناء".
ونوه إلى أن تأكيد جلالته على النهوض بقطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية "يعكس إدراكاً عميقاً لأولويات المواطن، ولأن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان وتعود إليه".
وختم كريشان : "على الصعيد القومي، جدد جلالته موقف الأردن الثابت تجاه القضية الفلسطينية، مؤكداً أن الأردن سيظل السند الدائم للأشقاء الفلسطينيين في مواجهة الأزمة الإنسانية في غزة، وأن الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس أمانة وطنية ودينية تُؤدى بشرف وإخلاص، وهي مسؤولية متجذرة في وجدان الهاشميين منذ فجر النهضة العربية".
النجار: الملك وضع النقاط على الحروف
من جانبه، أكد الأمين العام لحزب القدوة الأردني، إياد النجار في حديثه إلى "الرأي"، أن خطاب العرش "لم يكن خطاباً بروتوكولياً، بل نبضاً وطنياً حياً يعبّر عن عمق العلاقة بين القائد وشعبه".
وقال النجار إن جلالته، في قوله: "نعم، أقلق… لكن لا أخاف إلا الله، وفي ظهري أردني"، "جسّد العلاقة الصادقة بين الملك وشعبه، ورسّخ صورة القائد المؤمن بقدرات أبناء وطنه".
وأضاف أن الخطاب "جاء ليعيد رسم اتجاه البوصلة الوطنية، ويضع الأردنيين جميعاً أمام مسؤولياتهم تجاه وطنهم، مؤكداً أن التحديث الشامل ليس خياراً مرحلياً بل مسار وطني طويل الأمد".
وأشار إلى أن جلالة الملك شدد على دور سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني في متابعة تنفيذ مسارات التحديث ودعم الشباب وتمكينهم في مواقع المسؤولية، "ليظل الأردن دولة فتية بروحها، عميقة بجذورها".
وتابع النجار أن "الخطاب حمل رسائل سياسية واقتصادية وإنسانية متكاملة، أعادت التأكيد على ثوابت الدولة الأردنية تجاه القضية الفلسطينية والوصاية الهاشمية على المقدسات، وعلى محورية العدالة والمشاركة في بناء الدولة القوية الحديثة".
الفاهوم: وثيقة جيواستراتيجية
أما الأكاديمي والمحلل الجيواستراتيجي الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم، فاعتبر في حديثه إلى الرأي أن الخطاب الملكي "لحظة وعي وطني متجددة تُعيد تعريف معادلات القوة والتنمية في الدولة الأردنية الحديثة".
وقال الفاهوم إن الخطاب "جاء بوصفه وثيقة توجيهية تحمل فلسفة الحكم الرشيد، وتربط بين الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي والسيادة الوطنية في إطار جيواستراتيجي متكامل".
وأشار إلى أن عبارة جلالته: "ولد الأردن في قلب الأزمات، لكنه خرج منها أصلب عوداً وأقوى إرادة" تختصر مئة عام من الصمود والدبلوماسية الأردنية الحكيمة، "وتعبّر عن مفهوم الملك للأمن الذكي، الذي يقوم على المرونة المؤسسية والاقتصاد المتنوع القادر على امتصاص الصدمات".
وأوضح الفاهوم أن الخطاب "أعاد صياغة مفهوم الشرعية التنموية للدولة، حيث لم تعد الشرعية قائمة فقط على الأمن والاستقرار، بل على تحسين جودة حياة المواطن وتوسيع المشاركة الاقتصادية".
وأضاف أن جلالته طرح "تحولاً استراتيجياً نحو اقتصاد مقاوم يولّد النمو من الداخل، ويحرّر الطاقات الوطنية عبر إصلاحات تشريعية وإدارية تعيد الاعتبار للكفاءة والجدارة".
ويؤكد مراقبون أن خطاب العرش لهذا العام يشكّل خارطة طريق قوامه الدولة القوية المنتجة، والمؤسسات الفاعلة، والمواطنة المتمكنة.
خطاب جمع بين الحكمة والوجدان، وبين الواقعية والطموح، وفتح أمام الأردنيين أفقا رحبا لمزيدٍ من الإصلاحات والتنمية والعدالة الاجتماعية، في ظل قيادة هاشمية رسخت نهج الدولة الرصينة التي لا تعرف التراجع ولا الانكفاء.