انبثقت فكرة إقامة بنك الملابس الشتوي لتؤمّن دفئًا ورعاية للأطفال والأسر الأكثر حاجة، إذ إن برودة الطقس القاسية في محافظة الطفيلة، التي يصل ارتفاع بعض مناطقها إلى نحو 1600 متر فوق سطح البحر، تُضيف عبئًا ثقيلًا على العائلات ذات الموارد المحدودة. فجاءت المبادرة استجابة إنسانية تعيد شيئًا من التوازن إلى مشهد الفقر والبرد في آنٍ واحد.
وتقوم فكرة المشروع على جمع الملابس الشتوية من تبرعات المواطنين والمؤسسات، ثم فرزها بعناية وتوزيعها مجانًا على الأيتام والطلبة والأسر المحتاجة، بالشراكة بين الجهات الرسمية والمجتمع المدني، ليفتح بابًا من الأمل أمام أطفالٍ لا يملكون سوى طبقة واحدة من الملابس في موسم البرد، ويمنح أمهاتٍ مثل أم حمزة شعورًا بالاطمئنان حين ترى أبناءها محميين من صقيع الشتاء بمعاطف وأوشحة جديدة تبعث فيهم الدفء والبهجة.
كانت أم حمزة، وهي أم لأربعة أيتام، تواجه مواسم الشتاء الماضية بموارد محدودة، فكان البرد امتحانًا يوميًا للصبر. كان أطفالها الصغار ينهون يومهم يرتجفون تحت بطانية خفيفة، وهي تحاول أن توفّر لهم ما يسد رمقهم من طعام وملبس في آنٍ واحد. واليوم، تتحدث بامتنان عن تلك الحملة التي شملتها ذات عام، حين دخلت القاعة المخصصة للتوزيع وخرجت محمّلة بما يكفيها ويكفي أبناءها، لتقول إن أطفالها ذهبوا إلى المدرسة بملابس جديدة وابتسامة لم تغادر وجوههم، وإنها شعرت للمرة الأولى منذ سنوات بأن دفء الطفيلة لم يعد حكرًا على من يملك، بل صار للجميع نصيبٌ منه. ذلك التغيير الصغير انعكس على نفسياتهم وعلى حضورهم المدرسي، وجعلها أكثر اطمئنانًا وقدرة على مواجهة قسوة الشتاء.
ويتجاوز تأثير الفكرة حدود العطاء المادي إلى ترميم شعورٍ مفقود بالأمان، إذ إن الأسر التي تعيش على دخل محدود أو بلا عمل ثابت كانت تضطر للاختيار بين تدفئة المنزل أو شراء معاطف لأطفالها. ومع ارتفاع أسعار الملابس في أسواق الطفيلة خلال السنوات الأخيرة، كما تشير التقارير غير الرسمية، ازدادت المعاناة، فجاء البنك ليخفف تلك الأعباء ويمنح الأطفال فرصة أن يشعروا بأنهم جزء من الموسم لا ضحاياه، ويزرع في قلوب الأمهات إحساسًا بأن المجتمع ما زال قادرًا على الاحتواء. أما بالنسبة للأطفال، فإن ارتداء ملابس لائقة في المدرسة يعني استعادة الثقة والاندماج بين زملائهم، ويعيد إلى التعليم معناه الإنساني الذي يتجاوز الجدران والكتب إلى الكرامة.
ومن جانب المؤسسات المشاركة، شكّلت المبادرة نموذجًا عمليًا لتكامل الأدوار بين وزارة التربية والتعليم، ومديرية التنمية الاجتماعية، ولجان الزكاة وغيرها من الجهات الداعمة، إذ جرى الحرص على أن تشمل الملابس جميع الفئات العمرية، وأن يتم التوزيع بطريقة تحافظ على كرامة المستفيدين. فعندما يُدعى الطفل أو أسرته إلى القاعة، لا يُنظر إليهم كطالبي صدقة، بل كأفرادٍ لهم حق في ما يُقدَّم، وهو ما يضخ فيهم ثقة ويمنحهم دفئًا معنويًا لا يقل عن دفء الملابس نفسها. كما ساهمت المبادرة في تقليص الفوارق التي تخلقها قسوة الطقس بين من يملك وسائل التدفئة ومن لا يملك، فكانت بمثابة جسر إنساني بين الطرفين.
ولأن الشتاء في الطفيلة لا ينتظر، فإن نجاح الفكرة يعتمد على استمرارها وتجددها كل عام، مع ضرورة التخطيط المسبق لتأمين الكميات الكافية وتنوّع المقاسات والأصناف التي تناسب الأطفال من مختلف الأعمار. فعندما تصل الملابس في الوقت المناسب قبل اشتداد البرد، تشعر الأسرة أن المجتمع يسبق حاجتها بخطوة، وأن هناك من يراقب المواسم بعين العون لا بعين اللامبالاة، فيتحول القلق إلى طمأنينة، والخوف من الشتاء إلى استعدادٍ له بثقة.
ويتفق رئيس لجنة زكاة وصدقات الطفيلة محمد البدارين ومدير تربية الطفيلة الدكتور عمران اللصاصمة على أن حملة بنك الملابس الشتوي تمثل صورة حية للتعاون بين المؤسسات الرسمية والأهلية في خدمة الفئات الأكثر حاجة، وتعكس وعيا مجتمعيا متقدما بأهمية التكافل في مواجهة الظروف الصعبة التي تعيشها كثير من الأسر خلال فصل الشتاء القارس. وأكدا أن الحملة لا تقتصر على توزيع الملابس فحسب، بل تفتح باب الأمل أمام أسر أنهكها الغلاء وضيق ذات اليد.
وأشارا إلى أن الجهود تتكامل بين الجهات الداعمة والمشاركة في جمع التبرعات وفرزها وتوزيعها بشكل منظم يضمن العدالة ويصون كرامة المستفيدين، مؤكدين أن مثل هذه المبادرات ليست موسمية، بل هي نهج إنساني يجب أن يستمر ويكبر عامًا بعد عام، لتظل الطفيلة مثالًا على مجتمعٍ يواجه قسوة البرد بالدفء الإنساني والتعاون الحقيقي.
وفي المحصلة، تُجسّد فكرة بنك الملابس الشتوي في الطفيلة روح العمل الجماعي الذي يواجه قسوة المناخ برحابة الإنسانية، فتغدو قطعة الملابس رمزًا لصلة إنسان بإنسان، وجسرًا صغيرًا بين الدفء والعوز، وملمحًا حقيقيًا لتلك المدينة التي عرفت دومًا كيف تجعل العطاء وسيلتها لمواجهة البرد، لا بالكلام، بل بالفعل الذي يترك في القلوب أثرًا لا يزول.