يشكّل المغتربون اليوم جسراً إنسانياً واقتصادياً وثقافياً بين أوطانهم ودول الإقامة، فهم سفراء غير رسميين يحملون معهم قيم بلدانهم ويساهمون في بنائها من الخارج عبر التحويلات المالية، والخبرات التي يكتسبونها، والعلاقات التي يبنونها، ولكن رغم هذا الدور المحوري، فإن شريحة واسعة من المغتربين ما زالت تواجههم تحديات معقدة في الغربة في التواصل مع مؤسسات بلده، والحصول على الخدمات التي يحتاجها بسهولة ويسر.
ولأن الغربة ليست فقط ابتعاداً جغرافياً، بل تجربة إنسانية واجتماعية واقتصادية شاملة، باتت الحاجة ماسة إلى وجود مؤسسات ومنصات دولية تُعنى بشؤون المغتربين، تقدم لهم الدعم والمشورة، وتكون صلتهم الأولى بالوطن في كل ما يتعلق بالمعاملات الرسمية والخدمات الرقمية والإنسانية، لكن المشكلة تكمن في غياب المنصات الفاعلة التي تخدم المغترب فعلاً، لا شكلًا.
في هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى منصة “سند”، التي تمثل نموذجاً متقدماً في مسار التحول الرقمي لتقديم الخدمات الحكومية، فقد أسهمت المنصة في تسهيل وصول المواطنين داخل الأردن إلى معاملاتهم الرسمية إلكترونياً، دون الحاجة إلى الحضور الشخصي، الأمر الذي وفّر الوقت والجهد، وعزّز إحساسهم بالارتباط بالمؤسسات الوطنية، إلا أن استخدام هذه المنصة ما يزال محدوداً أمام الأردنيين المقيمين في الخارج، نظراً لاشتراط تفعيل الحساب عبر البصمة الشخصية، وهو ما يشكّل عائقا حقيقياً أمام المغتربين الذين لا يستطيعون العودة إلى الأردن خصيصاً لإتمام هذه الخطوة، أو الذين تحول ظروفهم العائلية والعملية دون ذلك، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير حلول رقمية بديلة تتيح للمغترب الاستفادة من خدمات “سند” بسهولة وأمان، أينما كان.
هذا الواقع يسلط الضوء على ضرورة تطوير رؤية شاملة لخدمة المغترب الأردني عبر مؤسسات متخصصة تتبنى برامج عملية، تشمل: إنشاء منصات رقمية بديلة أو موازية لا تتطلب الحضور الشخصي للتفعيل، وتفعيل قنوات تواصل مباشرة مع الجهات الحكومية عبر موظفين مدربين على التعامل مع المغتربين، وتخصيص خدمة استجابة فورية للاستفسارات، سواء عبر تطبيقات ذكية أو مراكز اتصال تعمل على مدار الساعة، والتعاون بين الوزارات لإنشاء نظام موحّد لخدمات المغتربين يربطهم بالجهات الرسمية كافة.
كما أن وجود مؤسسات تُعنى بشؤون المغتربين لا ينبغي أن يقتصر على الجانب الحكومي فقط، بل يمكن للقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني أن يكون لها دور فاعل في دعم هذه الشريحة، من خلال برامج تدريبية، واستشارات مالية، ومشروعات ربط بين المغتربين ورواد الأعمال في بلدانهم الأصلية.
في النهاية، يبقى المغترب بحاجة إلى مظلة مؤسسية تحميه وتخدمه وتمنحه إحساسا بالانتماء مهما ابتعد عن وطنه، فالغربة لا تُلغى بالمسافات، بل تُخففها المؤسسات التي تعرف كيف تزرع في المغترب شعور الأمان والانتماء، ولو عبر شاشة هاتفه الذكي، فالاهتمام بالمغترب ليس ترفاً وطنياً، بل استثمار استراتيجي في رأس مال بشري واقتصادي وثقافي، أثبت على الدوام أنه لا يتخلى عن وطنه حتى وإن ابتعد عنه جغرافياً، ويبقى على الدولة أن ترد هذا الوفاء بوسائل أكثر مرونة وابتكارا، تليق بعصر الرقمنة الذي لا يعترف بالحدود.