لو كانت القيادة السورية الجديدة تريد أن تُحكّم لُغة العواطف لا المصالح لمّا تصالحت مع روسيا وحاولت إعادة العلاقات الطبيعية معها، فمن المعروف أن روسيا كانت حليفاً قوياً للنظام السوري السابق، بل هي التي أسندته عندما واجه إمكانية السقوط في عام 2015، ناهيك عن الهجمات الكثيرة التي كان يشنها الطيران الروسي والتي طال كثير منها المدنيين السوريين.
إنّ زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة إلى موسكو تؤكد القاعدة الذهبية في السياسة وهي أنه ليس هناك عواطف دائمة بين الدول ولكن هناك مصالح دائمة! ولكي نفهم الصورة المعقدة في سوريا أكثر فإننا لا بدّ أن ندرك بأنّ القيادة السورية الجديدة ورثت وضعاً شائكاً وصعباً فالدول الكبرى ليست ذات نفوذ في سوريا فقط بل لها قوات عسكرية بالفعل على الأرض، فروسيا لها قاعدة جوية في حميميم، وقاعدة بحرية في طرطوس، والولايات المتحدة لها قاعدة "التنف" وغيرها في شمال شرق سوريا، بل وحتى القوى الإقليمية لها قوات على الأرض السورية أيضاً فالقوات التركية تحتل أجزاء من الشمال السوري، والقوات الإيرانية كانت تتوزع على عدة نقاط في الجغرافيا السورية قبل أن تنسحب مع سقوط النظام السوري السابق.
إنّ من الإنصاف أن نقرر هنا بأنّ القيادة السورية الجديدة قرأت الوضع السوري جيداً وفهمت أنها لا بدّ أن تضع أولويات للتعامل معه، وقد كانت بدايتها صحيحة حيث عملت بالتعاون مع الدول العربية النافذة كالسعودية وقطر على الانفكاك من العقوبات الدولية التي كانت تشّل الحياة في سوريا وبالذات "قانون قيصر" الذي تم إلغاؤه قبل فترة قصيرة من قبل مجلس الشيوخ الأمريكي.
وتزامناً مع ذلك عملت على "التفاهم" الأمني مع إسرائيل التي غزت الجنوب السوري ومرتفعات جبل الشيخ معلنةً عن رغبتها في نزع سلاح منطقة الجنوب السوري بعد أن دمّرت بالفعل معظم مقدرات الجيش السوري السابق، وليس بعيداً أن تصل سوريا إلى إنجاز هذا التفاهم على قاعدة العودة إلى خط اتفاقية فض الاشتباك السابق الموقع بين الدولتين (سوريا وإسرائيل) في عام 1974، وتوفير ضمانات أمنية معينة لعدم استغلال الجنوب السوري من قبل أية قوات معادية لإسرائيل. كما عملت القيادة السورية الجديدة على استغلال علاقاتها الجيدة مع الولايات المتحدة على ترويض قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وإفهامها أنّ من مصلحتها الاندماج مع الدولة السورية الجديدة والتخلي عن أية مطامح في الحكم الذاتي أو حتى "اللامركزية" وبخاصة في ظل تهديدات تركيا التي لا يمكن أن ترضى بأيّ حال من الأحوال بنشوء كيان كردي مستقل في الأراضي السورية خوفاً من انتقال العدوى "الانفصالية" إليها.
وفي ذات الاتجاه تعاملت سوريا الجديدة بطول نَفَس مع الحركة الانفصالية التي تزعمتها بعض القيادات الدرزية في جبل العرب "مدركةً" أنّ هذه الحركة وُلدت ميتة، وأنه ليس لها أية مقومات حقيقية حتى وإن حظيت بالدعم الإسرائيلي.
وانطلاقاً من الوضعية السابقة المتعلقة بترتيب أولويات العمل وجدت القيادة السورية وبعد جسّ نبض ومحاولات تمهيد أولية أنّ من المناسب فتح موضوع العلاقات مع موسكو وإعادة تعريفها من جديد، ولعلّ مما يساعد على ذلك أنّ كلا البلدين يحتاجان بعضهما بالفعل وقد يكون من صالحهما استثمار العلاقات التاريخية بينهما وعدم القفز عنها فسوريا تحتاج روسيا في ثلاثة ملفات مهمة لها وهي: استيراد الحبوب وبالذات القمح الذي تحتاجه سوريا بوضوح، وتطوير منشآت الطاقة في سوريا، وبخاصة أن روسيا عملت على هذا الملف سابقاً ولديها خبرات مهمة في هذا المجال، وإعادة تزويد الجيش السوري بالمعدات الدفاعية المهمة التي تحمي سوريا من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة وبخاصة أنّ من غير الوارد أن تزود الولايات المتحدة سوريا بالسلاح مراعاةً منها للحساسية الإسرائيلية، وللتوضيح في هذا السياق فإنّ من المفهوم أنّ إعادة تأهيل الجيش السوري الجديد سوف يتم في ضوء السياسة السوريا الجديدة القائمة على عدم خوض أية حروب أو صراعات مع أية قوى في المنطقة انطلاقاً من سياسة التفرغ لبناء سوريا الجديدة.
أمّا فيما يتعلق بروسيا فإنّ من الجلّي أنّ لها مصلحة أيضاً في بلورة علاقات طبيعية مع النظام السوري الجديد حتى وإن أدى الأمر إلى إجراء بعض التعديلات على الاتفاقية المتعلقة بقاعدتي "حميميم" الجوية، و"طرطوس" البحرية، والواقع أن بلورة هذه العلاقات بين البلدين على أُسس جديدة يضمن لروسيا استمرار وصولها إلى المياه الدافئة وهو ما حَلُمت به تاريخياً، كما يضمن لها فرصاً استثمارية مهمة في بناء سوريا الجديدة، وذلك فضلاً عن إبقائها قوة عظمى لها نفوذ في منطقة حساسة تهم جميع الدول: المحلية، والإقليمية، والدولية.
إنّ تحكيم "المصالح" بين الدول توجه عقلاني في الواقع فالعواطف قد تتغير بل قد وقد تزول ولكن المصالح باقية ودائمة.