أطلقت جماعة عمان لحوارات المستقبل، مبادرة مجتمعية شاملة تهدف إلى حماية التماسك الاجتماعي والحفاظ على أصالة العادات الأردنية، من خلال معالجة التشوّهات التي طرأت على بعض الطقوس الاجتماعية، وخصوصًا في مناسبات الأفراح والأتراح.
وأكد رئيس الجماعة بلال حسن التل خلال مؤتمر صحفي اليوم السبت، أن المبادرة جاءت ثمرةً لمتابعة حثيثة لما شهده المجتمع الأردني في السنوات الأخيرة من ممارسات اجتماعية دخيلة، أسهمت في تفاقم الأعباء المالية، وزادت من مظاهر التفاخر الاجتماعي، ولا تمت بصلة للقيم الأردنية الأصيلة.
وأشار إلى أن الجماعة أصدرت عام 2015 وثيقة بعنوان "التماسك الاجتماعي"، تناولت فيها هذه القضايا بالتفصيل، حيث سبقت هذا الحوار المجتمعي الجاري حاليًا حول الإسراف والمبالغة في مناسبات الخطوبة والزواج والعزاء. وشدد التل على أن هذه المبادرة تضع إصبعها على مواطن الخلل، وتطرح حلولًا عملية قابلة للتنفيذ، داعيًا إلى امتلاك الشجاعة الأدبية لمواجهة الأخطاء الاجتماعية والتصدي لها عبر بناء وعي جماعي راسخ.
من جهته، عرض مدير مستشفى جرش وعضو الجماعة الدكتور صادق العتوم، تفاصيل المبادرة، مشيرًا إلى أن من أبرز الظواهر السلبية التي تستهدفها، المبالغة في جاهات الخطوبة والأعراس، التي تحوّلت إلى عبء اقتصادي كبير، وأسهمت في عزوف الشباب عن الزواج، وارتفاع معدلات الطلاق والعنوسة.
وقال إن العديد من الجاهات يشارك فيها مئات الأشخاص، ما يؤدي إلى تضخّم تكاليف الزواج، وأحيانًا يتم ذلك لمجرد المجاملة دون معرفة فعلية بالعريس أو العروس.
وأضاف أن ذلك لا يترتب عليه فقط أعباء مادية، بل أيضًا استنزاف للوقت والطاقة، مشيرًا إلى أن هذه السلوكيات تمثل نوعًا من الرياء الاجتماعي الذي ينبغي تجاوزه.
وأكد العتوم أن المبادرة تقترح الحد من أعداد المشاركين في الجاهات، واقتصار حضور كبار الشخصيات من وزراء وأعيان ونواب على أقاربهم من الدرجة الأولى فقط، كما دعت إلى الامتناع عن استخدام القاعات الفارهة واستبدالها باستقبالات بسيطة في منازل العائلة أو الدواوين، بما ينسجم مع العادات الأردنية الأصيلة.
كما دعت المبادرة إلى تشجيع فكرة الزواج الجماعي، حيث طالبت النقابات المهنية والعمالية، والعشائر، والبلدات، بتنظيم حفلات سنوية للأعراس الجماعية، بهدف التخفيف عن الشباب، وتعزيز روح التكافل والتعاون. وفي السياق ذاته، طالبت الجماعة بتأسيس صندوق وطني للزواج، يمول من أموال المسؤولية الاجتماعية والدعم الحكومي، إلى جانب إنشاء معاهد تدريب على الحياة الزوجية، بحيث يصبح اجتياز دورات تأهيلية شرطًا أساسيًا لإتمام الزواج، على غرار الفحص الطبي المسبق.
أما في ما يتعلق بعادات العزاء، فقد دعت الجماعة إلى ضرورة التخلي عن المظاهر الشكلية التي باتت تطغى على هذه المناسبات، مثل المبالغة في نشر إعلانات النعي أو إقامة ولائم مكلفة، مشددة على أهمية قصر العزاء على أهل المتوفى فقط، والابتعاد عن السلوكيات التي تسيء إلى حرمة الموت ومشاعر أهله.
وأكد العتوم أهمية أن يركّز العزاء على الدعم المعنوي الحقيقي لأهل الفقيد، بعيدًا عن المظاهر الاجتماعية التي لا تعبّر عن جوهر المناسبة.
كما شددت الجماعة على ضرورة المنع المطلق لإطلاق العيارات النارية والألعاب النارية في الأعراس والمناسبات، وتفعيل القوانين بحق المخالفين دون وساطة، مطالبة المسؤولين بعدم التدخل في عمل الحكام الإداريين.
كما أكدت أهمية وقف جميع أنواع المواكب التي تعيق حركة الناس، باستثناء المواكب الرسمية والجنائزية، لما تسببه من إزعاج واعتداء على حرية الآخرين.
وعبّرت عضو جماعة عمّان لحوارات المستقبل سارة طالب السهيل، عن قناعتها بأن المبادرة تمثل خطوة مهمة نحو تصحيح المسار الاجتماعي، وتحقيق توازن بين مظاهر الفرح والبساطة، بعيدًا عن التكاليف الباهظة والعادات الدخيلة.
وأشارت إلى أن كثيرًا من العادات بدأت تتغير بالفعل، مثل تراجع إطلاق العيارات النارية، وهو ما يدل على أن التغيير ممكن عندما تتوافر الإرادة والوعي.
وقالت السهيل إن المبادرة تسعى إلى تعزيز ثقافة التواضع، والتأكيد على أن البركة لا تكون في المظاهر والتفاخر، بل في البساطة والنية الصادقة. ولفتت إلى أن الأموال الطائلة التي تُنفق على المظاهر الاجتماعية يمكن استثمارها في مشاريع تنموية أو أعمال خيرية تعود بالنفع على المجتمع بأكمله.
ودعت إلى ضرورة تفعيل دور الإعلام، والمناهج التعليمية، والمنابر الدينية، من أجل ترسيخ مفاهيم الزواج الميسر، وتوجيه الشباب إلى فهم أعمق لقيمة الزواج بوصفه شراكة إنسانية تقوم على التفاهم والكفاءة، لا على المظاهر والقدرة المادية فقط، مؤكدة أن التغيير يبدأ من الوعي، وأن الوعي لا يُبنى إلا بالتربية والتواصل الصادق مع الناس.