خلّفت خسارة المنتخب الوطني لكرة القدم أمام نظيره الألباني 2-4 العديد من ردود الفعل المتباينة، وخصوصاً أنها جاءت في أعقاب خسارة سابقة أمام بوليفيا على هامش المحطة التحضيرية التي يخوضها النشامى ضمن الاستعدادات لكأس العرب ٢٠٢٥ وكأس العالم ٢٠٢٦.
ردود الفعل هذه تركزت معظمها على الانتقاد المباشر الحاد، الذي جاء متوقعاً وعاطفياً من جماهير اعتادت في الآونة الأخيرة على عيش لحظات رائعة بفضل سلسلة نتائج إيجابية حققها النشامى، فيما ذهبت ردود أخرى في سياق النقد الفني المنطقي المقرون بقراءات واقعية.
عاد الجهاز الفني بقيادة جمال سلامي ليعتمد أمام ألبانيا على التشكيلة الأساسية والمعتادة، على عكس ما ظهر به النشامى أمام بوليفيا، حيث بدأ بتشكيلة قوامها من يزيد أبو ليلى، محمد أبو النادي، هادي الحوراني، عبدالله نصيب، محمد أبو حشيش، أدهم القرشي، نزار الرشدان، إبراهيم سعادة، علي علوان، يزن النعيمات وموسى التعمري، وأشرك على فترات كل من محمود مرضي، عصام السميري، وسعد الروسان ونور الروابدة.
أولاً، إن خطوة الجهاز الفني للعودة إلى الأسماء الثابتة لديه والخيارات المعوضة للغائبين بداعي الإصابات كانت متوقعة ومنطقية في مساعيه لتثبيت القوام والحفاظ على الانسجام، وكان تغيير التشكيلة في المباراة أمام بوليفيا خياراً صائباً أيضاً، ونال بفضله سلامي الثناء لأنه قرر منح لاعبين آخرين الفرصة.
وثانياً وهم الأهم، لا بد من التأكيد على أن الخسارة تبقى واردة ومتوقعة في أعراف كرة القدم، وقد يتعرض لها أي منتخب، والنشامى غير مستثنى من ذلك على الإطلاق، ولكن يجب الاعتراف أن الخسارة بتلك النتيجة وبسبب ذلك الأداء العام، الذي جاء دون المستوى المنشود والمأمول، غير مبررة ولا يمكن المرور عنها مرور الكرام ويستوجب التوقف عندها كثيراً ومطالعة أسبابها والبحث عن حلول تمنع من تكرارها.
ما ظهر عليه المنتخب الليلة قبل الماضية في العاصمة الألبانية تيرانا، أثار تساؤلات عديدة حول مدى جاهزية التشكيلة الأساسية أثناء غياب بعض الأعمدة الرئيسية لديها، وخصوصاً من العناصر البشرية في الدفاع، مع ضرورة مراجعة الجانب الهجومي ودوره في مهامه الأساسية بالمقدمة وتحسين جودته في استثمار الفرص التهديفية المتاحة أمامه، مع التركيز على أهمية تنفيذ واجباته الإسنادية أيضاً للخط الخلفي.
للإنصاف، بدأ النشامى المباراة بصورة إيجابية، وفرض إيقاعه خلال أول ربع ساعة، ونجح في صناعة عدة فرص واختراق دفاعات الخصم، ما عكس رغبة واضحة في تقديم أداء تنافسي توجه بهدف التقدم عبر نزار الرشدان.
ولكن، هذه الأفضلية لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما تسبب هدف التعادل لصالح ألبانيا إثر خطأ دفاعي، في إخراج اللاعبين من أجواء التركيز التي بدأوا بها اللقاء، لتتوالى بعدها ثلاثة أهداف أخرى على مرمى النشامى، وسط غياب التنظيم الدفاعي والتغطية العكسية.
ورغم البداية القوية، إلا أن النشامى تخلوا عن الجرأة الهجومية، وفضّل الجهاز الفني بعد هدف التقدم التراجع غير المبرر إلى المناطق الدفاعية، بدلًا من استثمار الزخم الهجومي واستغلال الثغرات الواضحة في دفاع المنتخب الألباني، خصوصاً تحت الضغط العالي، بعدما أظهرت الدقائق الأولى أن الدفاع الألباني عانى في مواجهة التحركات السريعة والتمريرات العمودية، وكادت أن تستقبل شباكه أهدافه إضافية لو أحسن مهاجمو النشامى التعامل معها.
وفي أثناء تحول الأفضلية لصالح ألبانيا بشكل صريح، وهذا التراجع الذهني والفني لبعض عناصر النشامى، راقب المتابعون الدكة بانتظار أوراق جديدة يطرحها سلامي لتصويب الأوضاع سريعاً، لكن الأمر تأخر رغم وضوح التراجع في الأداء، وهو ما أثر على استمرار عدم تماسك الخط الخلفي، خاصة في ظل محدودية الإسناد من لاعبي الوسط والهجوم للدفاع ومن الطرفين الأيمن والأيسر بوجه التحديد، في مشهد أفقد خطوطه الثلاثة الترابط المطلوب.
هذه المعطيات، منحت أصحاب الأرض فرصة تنظيم الصفوف، ورغم أنه عاد للمباراة من هدف كشف خللاً دفاعياً واضحاً، وأتبعه بآخر مشكوك بصحته بحجة التسلل، إلا إن تبديلاته اللاحقة فرضت سيطرته على مجريات اللقاء التي شهدت فرصاً خطيرة له، وهو ما استمر حتى صافرة النهاية التي سبقها بقليل هدفاً ثانياً للمنتخب حمل توقيع علي علوان جعل النتيجة تستقر بفوز أصحاب الأرض برباعية مقابل هدفين.
هذه الخسارة، أعادت فتح ملف تقييم أداء اللاعبين الأساسيين، حيث بدا عدد منهم بعيداً عن مستواه الفني والذهني، ما يفرض على الجهاز الفني ضرورة الحسم في الاختيارات، واعتماد معيار الجاهزية إلى جانب مراجعة آليات إدارة المباريات الكبيرة باختلاف ظروفها وظروفه بها، إضافةً إلى تعزيز قدرته على قراءة نقاط ضعف المنافس واستثمارها بالشكل الأمثل.
ورغم الخسارة، سجلت المباراة بعض الإيجابيات المحدودة، أبرزها الاستحواذ النسبي في وسط الملعب خلال فترات متقطعة، إلى جانب ثبات الجاهزية البدنية والفنية لبعض العناصر، إلا أن الصورة العامة تفرض على الجهاز الفني مراجعة شاملة، تشمل توقيت التبديلات، آلية اختيار التشكيلة، وتعزيز الانسجام بين الخطوط الثلاثة، لضمان ظهور المنتخب بصورة أكثر تنافسية في الاستحقاقات الرسمية المقبلة.
في المقابل، قدم المنتخب الألباني أداءً منظماً يثبت حضوره اللافت في التصفيات الأوروبية المؤهلة لكأس العالم، حيث يحتل الآن المركز الثاني خلف إنجلترا وبات قريباً من التأهل إلى الملحق الأوروبي المونديالي، كما إنه يعتمد على مجموعة من المحترفين في الدوريات الكبرى، ما يجعل الخسارة أمامهم متوقعة وواردة من حيث المستوى الفني، لكنها مع التأكيد على ذلك، غير مبررة بتلك النتيجة لدى النشامى.
أخيراً، ورغم قسوة النتيجة، تبقى هذه المحطة فرصة ثمينة للمراجعة والتصحيح، فالنشامى الذي يعود إلى أرض الوطن اليوم، كان حسم تأهله إلى نهائيات كأس العالم 2026 لأول مرة في تاريخه، كأول منتخب عربي يضمن مقعده في المونديال، كما أثبت سابقاً قدرته على النهوض، وما زال المشوار يشهد استحقاقات كبرى تتطلب تماسكاً فنياً ودعماً جماهيرياً لا يتوقف.