- المناعة تحتاج تحديثا سنويا
- كل مطعوم إنفلونزا يعني سريرا أقل في المستشفيات
مع انخفاض درجات الحرارة في المملكة وبدء ملامح الشتاء بالظهور تتجدد التحذيرات الصحية من زائر موسمي غير مرغوب فيه هو الإنفلونزا.
ورغم وضوح الحقائق العلمية ووفرة المعلومات الطبية، ما تزال الخرافات والمفاهيم الخاطئة تسيطر على أذهان كثير من المواطنين، فتدفع بعضهم لتجاهل المطعوم السنوي الذي يعد خط الدفاع الأول ضد الفيروس.
عضو اللجنة الوطنية لترشيد استخدام المضادات الحيوية وأستاذ العلاج الدوائي السريري الدكتور ضرار بلعاوي، أكد أن هذه المفاهيم المغلوطة تمثل أحد أبرز أسباب انتشار العدوى وتفاقمها، مشيرا إلى أن مطعوم الإنفلونزا امن وفعال، ولا يمكن أن يسبب المرض كما يعتقد البعض.
واعتبر في تصريح إلى "الرأي" أن أكثر الخرافات شيوعا بين الأردنيين هي الاعتقاد بأن المطعوم يسبب الإنفلونزا، وهو أمر غير صحيح إطلاقا، لأن اللقاح مصنوع من فيروسات معطلة (ميتة) لا يمكنها أن تحدث العدوى.
وأضاف أنه قد يشعر بعض الأشخاص بأعراض بسيطة، مثل ألم في مكان الحقن أو حرارة خفيفة، لكنها ليست إنفلونزا، بل علامة على أن الجهاز المناعي بدأ ببناء الحماية.
أما الاعتقاد بأن "المطعوم لا يفيد لأنه يمكن الإصابة بالإنفلونزا بعده"، فقد وصفه بلعاوي بأنه نصف حقيقة، موضحا أن الإصابة قد تحدث أحيانا لكن المرض يكون أخف بكثير، ولا يؤدي عادة إلى دخول المستشفى أو إلى مضاعفات خطيرة.
وأوضح أن المطعوم لا يمنع العدوى بالكامل، لكنه يمنع الأسوأ، مشيرا إلى أن حتى في السنوات التي لا يكون فيها التطابق بين المطعوم والسلالات المنتشرة مثاليا، تظل الحماية التي يقدمها ضد الحالات الشديدة والوفاة ذات قيمة كبيرة.
وتابع بلعاوي بأن أخذ المطعوم مسؤولية مجتمعية قبل أن يكون قرارا شخصيا، فحين يحصل الشخص عليه، فهو لا يحمي نفسه فقط، بل يحمي كبار السن في عائلته، وأطفاله، وزملاءه، والأشخاص الأكثر ضعفا في المجتمع.
كما نبه إلى أن العدوى قد تنتقل من شخص يبدو سليما إلى اخر يعاني من مرض مزمن، لذا فإن الالتزام بالمطعوم هو شكل من أشكال التضامن الصحي الذي يخفف الضغط على المستشفيات، ويقلل الحاجة إلى المضادات الحيوية التي تستخدم أحيانا بشكل خاطئ ضد فيروسات لا تستجيب لها أصلا.
ورغم أن كثيرين لا يزالون يعتبرون الإنفلونزا وفق بلعاوي "نزلة برد قوية"، إلا أن الواقع الطبي مختلف تماما، فهي مرض فيروسي خطير يمكن أن يصيب الجميع، ويهدد حياة الفئات الأكثر ضعفا.
ولفت إلى أن مطعوم الإنفلونزا ليس رفاهية، بل ضرورة صحية لكل أردني، مشيرا إلى أنه "خط الدفاع الأول عن صحة العائلة والمجتمع خلال موسم الشتاء".
وبين أن فيروس الإنفلونزا يختلف تماما عن نزلات البرد الشائعة، فأعراضه تظهر بشكل مفاجئ وحاد، وتشمل ارتفاعاً في الحرارة، وآلاما في المفاصل والعضلات، وسعالا جافا، وصداعا، وإرهاقا عاما قد يستمر أسبوعين أو أكثر.
وأضاف بلعاوي أن الإنفلونزا ليست مجرد انزعاج مؤقت، بل مرض قد يقود إلى مضاعفات خطيرة مثل الالتهاب الرئوي، خصوصاً لدى الفئات الحساسة، مشيراً إلى أن المستشفيات الأردنية تشهد كل عام ارتفاعاً في حالات الالتهابات التنفسية الحادة خلال الشتاء.
ونوه إلى أن إحدى الدراسات المحلية أظهرت أن نحو 9% من هذه الحالات سببها فيروس الإنفلونزا، فيما بلغ معدل الوفيات بينهم 3%، مؤكداً أن هذه ليست أرقاما مجردة، بل قصص لأطفال وكبار سن ومرضى يعانون من مرض يمكن الوقاية منه بسهولة.
وفي سؤال حول الحاجة إلى مطعوم الإنفلونزا كل عام، بين بلعاوي أن الفيروس يتحور باستمرار، أي أنه يغير شكله من موسم إلى آخر، ولذلك يتم تحديث المطعوم سنويا ليواكب هذه التغيرات، كما أن المناعة التي يوفرها تبدأ بالتراجع بعد أشهر، ولهذا يجب أخذه كل عام لتجديد الحماية.
وتابع أن المطعوم امن جدا وفعال، ويمنح الجسم قدرة على مقاومة الفيروسات الجديدة خلال موسم الشتاء، مشيرا إلى أن الجسم يحتاج نحو أسبوعين بعد التطعيم لتكوين الأجسام المضادة الواقية.
وفيما يتعلق بالأشخاص الأكثر حاجة للمطعوم، شدد بلعاوي على أن جميع الأشخاص فوق عمر ستة أشهر ينصح لهم بأخذه، لكن الأهمية القصوى تكون للفئات التالية، الأطفال دون سن الخامسة، كبار السن فوق 65 عاما، النساء الحوامل، مرضى الأمراض المزمنة (مثل القلب والسكري والربو)، والعاملون في القطاع الصحي.
وأشار إلى أن الإنفلونزا بالنسبة لهذه الفئات ليست مرضا بسيطا، بل تهديد حقيقي قد يقود إلى مضاعفات حادة أو حتى الوفاة، فالتطعيم هنا ليس خيارا بل ضرورة وقائية.
ووجه بلعاوي رسالة إلى الأردنيين قائلا أن " مطعوم الإنفلونزا متوفر في الصيدليات والمراكز الصحية، وأفضل وقت للحصول عليه يكون بين شهري أيلول وكانون الأول، فالإجراء بسيط وسريع، لكنه قد يحمي من مرض يوقف الحياة لأيام وربما يدخل أحد الأحباء المستشفى".
ووفق بلعاوي فإن الوقاية بالتطعيم تبقى أفضل استثمار صحي يمكن أن يقوم به المواطن الأردني لحماية نفسه وأسرته، ففي زمن تتسارع فيه العدوى وتزدحم فيه الطوارئ، تظل الإبرة الصغيرة التي لا تستغرق دقائق، هي السلاح الأهدأ والأقوى في مواجهة ضيف الشتاء غير المرغوب فيه.