مع عودة الخريف، تعود إلى سماء الأردن أسراب الطيور المهاجرة، في لوحة طبيعية تذكرنا بدورة الحياة التي لا تنقطع، حيث تنطلق هذه الكائنات في رحلتها الموسمية الكبرى بين إفريقيا وأوروبا، عابرة جبالنا وودياننا في مشهد يتكرر كل عام لكنه لا يفقد سحره.
ويمثل الأردن محطة مركزية في أحد أهم مسارات الهجرة على مستوى العالم، إذ تم تسجيل 442 نوعاً من الطيور في المملكة، يمر أكثر من 300 نوعٍ منها خلال رحلاتها السنوية بين القارتين. موقع الأردن الجغرافي في قلب الشرق الأوسط جعله جسراً بيئياً حيوياً للطيور المهاجرة، ووجهة لعشاق مراقبتها والمهتمين بالحفاظ على التنوع الحيوي.
ويُعد وجود محميتين من الأراضي الرطبة المسجلة ضمن اتفاقية "رامسار" الدولية – هما محمية الأزرق المائية ومحمية فيفا الطبيعية – دليلاً على اهتمام الأردن الخاص بحماية هذا النوع من البيئات الحيوية التي تمثل موائل أساسية للطيور المهاجرة. فالأزرق كانت أول محمية "رامسار" عربية منذ عام 1977، فيما تُعد فيفا أخفض محمية رامسار في العالم، وهو ما يعكس التزام الأردن بالحفاظ على الأراضي الرطبة ودورها في استدامة مسارات الهجرة العالمية.
وتتطلب هذه الطيور شبكةً متكاملة من الموائل الطبيعية الآمنة على امتداد مساراتها لضمان بقائها، وهو ما تؤكد عليه الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية الأنواع المهاجرة واتفاقية الطيور المائية الأفريقية – الأوروبية – الآسيوية، والتي تهدف إلى حماية الموائل وتقليل التهديدات الناتجة عن الأنشطة البشرية.
ويقول المهندس طارق قنعير، مدير مشاريع واخصائي صون الطبيعة في الجمعية الملكية لحماية الطبيعة، إن الأردن يُعد من أهم مسارات هجرة الطيور في العالم، خاصة ممر وادي الأردن الذي يشكل جزءاً رئيسياً من حفرة الانهدام الكبرى، ويُعد جسراً بيئياً يصل بين قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا، تمر عبره ملايين الطيور سنوياً.
ويضيف قنعير أن ما يُعرف بـ "عنق الزجاجة" – وهي الممرات الضيقة بين القارات التي تعبرها الطيور المهاجرة – تمثل نقاطاً استراتيجية للهجرة وطنياً، حيث تتجمع فيها أعداد كبيرة من الصقور والعقبان وغيرها من الطيور الجارحة.
وفي إطار الجهود الوطنية لحماية هذه الثروة الطبيعية، أنشئت في الأردن عدة محميات طبيعية تشكل ملاذات آمنة للطيور المقيمة والمهاجرة، من أبرزها محمية الأزرق المائية ومحمية فيفا الطبيعية ومرصد طيور العقبة.
وقد تم إدراج الأزرق وفيفا على القائمة العالمية لاتفاقية "رامسار" للمناطق الرطبة ذات الأهمية العالمية، حيث تُعد فيفا أخفض محمية رامسار في العالم، فيما كانت الأزرق أول محمية رامسار عربية منذ عام 1977.
وتُعد الطيور مؤشراً حيوياً لصحة الأنظمة البيئية، فتنوعها واستقرار أعدادها يعكسان حالة البيئة المحيطة ومدى توازنها. وقد نجحت الجمعية الملكية لحماية الطبيعة في إعادة تأهيل واحة الأزرق بتمويل من المرفق البيئي العالمي، مما ساهم في استعادة نحو 10% من مساحتها الأصلية كمأوى للطيور المهاجرة، حيث تم تسجيل أكثر من 350 نوعاً من الطيور فيها، أي ما يقارب 70% من إجمالي الأنواع في الأردن، من أبرزها مالك الحزين والبط والرخمة المصرية والعديد من الجوارح والطيور المغردة.
كما يشكل مرصد طيور العقبة نموذجاً رائداً لحماية الموائل الطبيعية واستقطاب الطيور المائية والجارحة والمغردة، إذ تمتد مساحته على نحو 500 دونم وتتيح تنوعها البيئي مشاهدة أكثر من 80 نوعاً في الزيارة الواحدة، مع تسجيل أكثر من 200 نوع عبر المواسم المختلفة، وبأعداد قد تصل إلى مليون طائر في فترات الذروة.
لكن هذا الجمال الطبيعي مهدد، فندرة المياه وتراجع الأراضي الرطبة يشكلان خطراً حقيقياً على حياة الطيور المهاجرة، إذ تتعرض النظم البيئية المائية في العالم لاستنزاف متزايد بفعل التوسع العمراني والزراعة المكثفة. ولذا، يرفع الاحتفال بهذا الموسم صوته مجدداً، داعياً إلى حماية المياه والأراضي الرطبة، حتى تظل سماء الأردن محطة أمان لملايين الطيور التي تعبرها في رحلة الحياة المتجددة.