في وقت تتسارع فيه آثار التغير المناخي لتطال حياة الأردنيين وحقوقهم الأساسية، أطلقت جمعية دبين للتنمية البيئية من عمّان فعالية "يوم العمل من أجل العدالة المناخية"، تحت شعار "نتحدث عن الجميع مع الجميع – رؤية لحوار مناخي وطني"، في فندق جنيفا، بمشاركة ممثلين عن الحكومة والنقابات والمنظمات الحقوقية والمجتمع المدني.
وتهدف الفعالية إلى تحويل النقاش المناخي من إطار بيئي وتقني إلى حوار وطني وحقوقي يضع الإنسان في قلب الاستجابة المناخية، ويربط بين السياسات البيئية ومبادئ العدالة الاجتماعية، مع التركيز على العمال الميدانيين والأشخاص ذوي الإعاقة.
تغيّر المناخ.. تحدٍّ حقوقي واجتماعي
أجمع المشاركون على أن التغير المناخي في الأردن أصبح تحديًا حقوقيًا واقتصاديًا واجتماعيًا متشابكًا، فقد شهدت المملكة في السنوات الأخيرة موجات حر قاسية ومواسم جفاف متكررة تهدد الأمن المائي والغذائي، إضافة إلى فيضانات مفاجئة كشفت هشاشة البنية التحتية.
وبحسب النقاشات، فإن هذه الظواهر لا تصيب الجميع بشكل متساوٍ، إذ تتحمل الفئات الأكثر ضعفًا العبء الأكبر، من بينهم العمال الميدانيون الذين يعملون في ظروف قاسية تحت الشمس، والأشخاص ذوو الإعاقة الذين يواجهون صعوبات مضاعفة في الوصول إلى الخدمات أثناء الكوارث والطوارئ.
جهود وطنية وتحديات مستمرة
استعرضت الجلسات أبرز السياسات التي تبناها الأردن لمواجهة التغير المناخي، من المساهمات المحددة وطنيًا (NDCs) والخطة الوطنية للتكيف (NAP)، إلى الاستراتيجية الوطنية للحد من مخاطر الكوارث، بالإضافة إلى انخراطه في الأطر الدولية مثل اتفاق باريس للمناخ وإطار سنداي واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
غير أن هذه الأطر، وفق الخبراء، ما تزال تواجه تحديات على أرض الواقع.
وأكدت المديرة التنفيذية لجمعية دبين للتنمية البيئية هلا مراد أن العدالة المناخية أصبحت ضرورة استراتيجية لتعزيز الصمود الوطني وربط السياسات البيئية بحقوق الإنسان.
وقالت إن هذا اليوم يشكل منصة وطنية للحوار لإعادة صياغة النقاش المناخي في الأردن ليكون أكثر شمولًا، معلنة عن إطلاق ورقتي سياسات جديدتين حول العدالة المناخية، تركزان على حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وظروف العمال الميدانيين في مواجهة التغير المناخي.
فيما، شددت مديرة مؤسسة Sustain MENA الدكتورة شذى الشريف على أهمية إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في صياغة السياسات المناخية، مؤكدة أن الاهتمام بسياسات ذوي الإعاقة لا يزال محدودًا، إذ تقتصر الإشارات إليهم على ذكر عام في معظم الخطط.
وأشارت الشريف إلى أن تحديث اتفاقية باريس هذا العام شهد تطورًا مهمًا فيما يتعلق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة مقارنة بالاتفاقيات السابقة، داعية إلى الاستفادة من هذا الزخم الدولي لإحداث تغيير حقيقي في السياسات الوطنية.
وأضافت أن الأردن يمتلك إطارًا تشريعيًا ونظامًا خاصًا بتغير المناخ ولجنة وطنية تتابع تطبيقه، إلا أن الجهود المتعلقة بحماية ودعم الأشخاص ذوي الإعاقة ما تزال محدودة رغم وجود القوانين التي تكفل حقوقهم.
ودعت الشريف إلى إنشاء منظومة وطنية متكاملة تضم الدعم الحكومي والمنح الدولية وتحديد الأولويات بالتعاون مع المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، مشددة على أهمية حق الوصول إلى المعلومات أثناء الكوارث كأحد أبرز التحديات.
من جانبها أكدت رئيسة وحدة التكيف مع تغير المناخ في وزارة البيئة المهندسة سارة حليق أن النهج الشمولي يعد من أهم المحركات الأساسية في بناء الأولويات الوطنية وتصميمها وتنفيذها، مشيرة إلى أن التشاركية عنصر محوري في الرؤية الوطنية للعمل المناخي.
وأضافت أن ربط السياسات المناخية برؤية التحديث الاقتصادي يتطلب إدماج جميع الفئات المتأثرة بالتغير المناخي، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة، لرفع قدرتهم على التكيف وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام.
من جانبه، أوضحت ضابط التشغيل في وزارة العمل سمية الزعبي أن الوزارة تعمل على رفع الوعي تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة عبر برامج توعوية مستمرة تستهدف الشركات والباحثين عن العمل، مؤكدة أن الوزارة تدعو ذوي الإعاقة للتسجيل في منصة "سِجل" لتسهيل تشغيلهم.
وأضافت الزعبي أن هذه الفئة مشمولة في البرنامج الوطني للتشغيل لمدة عام كامل، يتلقون خلاله دعما ماديا لتحفيز مشاركتهم في سوق العمل، بما ينسجم مع توجهات الدولة في التمكين الاقتصادي العادل.
وأكدت العين آسيا ياغي أن تجاهل احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة أثناء الكوارث يشكل ثغرة خطيرة في السياسات الوطنية، مطالبة بإقرار قانون واضح يضمن حقوقهم أثناء الطوارئ، وبضرورة إشراكهم في وضع الخطط والاستراتيجيات الوطنية.
الجلسة الثانية: أثر التغير المناخي على العاملين
أدارت الجلسة الثانية الدكتورة رهام الصغير بمشاركة كل من العين عيسى مراد، ومدير بيت العمال حمادة أبو نجمة، ومديرة جمعية دبين هلا مراد، ومديرة البرامج في "تمكين" للمساعدة القانونية رانيا الصرايرة.
وقال العين عيسى مراد إن الأردن بدأ يلتفت إلى التغير المناخي منذ سنوات، لكنه ما يزال يفتقر إلى ضمانات اجتماعية تحمي العاملين المتأثرين به، مضيفا أن "العمالة غير المنتظمة هي الأكثر تأثرًا لأنها بلا حماية أو صناديق دعم، وإذا خسر العامل مصدر رزقه بفعل التغير المناخي، من سيعوضه؟"
وأشارت الصرايرة إلى نتائج دراسة أُجريت العام الماضي حول أثر التغير المناخي على العاملات في الزراعة، موضحة أن معظمهن لا يدركن أن الإصابات الناتجة عن المناخ تُصنَّف كإصابات عمل، كما يفتقرن إلى التأمين الصحي والضمان الاجتماعي.
وأكدت الصرايرة أن "نقل معاناة العاملين إلى أصحاب القرار" هو الخطوة الأولى نحو تشريعات تحمي العمال من آثار التغير المناخي.
أما أبو نجمة، فأوضح أن الأردن لا يملك تشريعًا واضحًا لمعالجة أثر التغير المناخي على العاملين، مشددًا على أهمية تطوير أدوات قياس ومؤشرات للسلامة المهنية في البيئات المتأثرة بالمناخ، وإجراء دراسات متخصصة ومعمقة حول هذه القضايا.
من جانبها، قالت هلا مراد إن العدالة المناخية ترتبط مباشرة بالجانب الحقوقي، إذ "تتأثر النساء بقلة المياه ويقمن بأعباء إضافية لتأمينها لأسرهن"، مؤكدة أن نظام التغير المناخي الحالي "غير كافٍ"، ويجب تحويله إلى تشريع ملزم لضمان حقوق المتأثرين بالخسائر البيئية.
نحو مسار وطني طويل للعدالة المناخية
اختُتمت الفعالية بالتأكيد على أن يوم العمل من أجل العدالة المناخية يمثل خطوة تأسيسية لمسار وطني طويل الأمد، يربط بين الالتزامات الدولية – مثل اتفاق باريس وإطار سنداي واتفاقيات منظمة العمل الدولية – والواقع المحلي الأردني، استعدادا لمؤتمر المناخ COP30 في البرازيل.
وخرجت الفعالية بعدة توصيات، أبرزها ضرورة توعية العاملين في الصحافة والإعلام بتأثيرات التغير المناخي، لضمان نقل القضايا المناخية بشكل دقيق وعميق، والتركيز على المبادرات الإيجابية التي تدعم وتخفف من تأثير التغير المناخي في الأردن.
بالإضافة إلى توسيع دائرة الحوار المجتمعي لتعميق الفهم المشترك بين الأفراد والمؤسسات، وتقليل الفجوة في صنع القرار بما يعزز الوحدة والعيش المشترك. وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة بشكل فعّال في مواجهة آثار التغير المناخي على حياتهم وأعمالهم.
كما أوصوا إلى الدعوة إلى إنشاء صندوق استثماري متداول في الأسواق المالية العالمية والسوق المحلي الأردني، لمواجهة آثار التغير المناخي ودعم الفئات الأكثر تأثرا مثل ذوي الإعاقة والعمال الميدانيين.