التوصية بتطوير أدوات دفع إلكترونية وتقنيات ائتمان حديثة
اتفق خبراء ومعنيون على أن رفع الحماية الجزائية على الشيكات وإلغاء حبس المدين المتخلف عن السداد أديا إلى تراجع الثقة بين الدائن والمدين وأحدث خللا في الثقة الائتمانية مع غياب بدائل كافية وضامنة.
ورأى هؤلاء أن القطاع الصناعي قد تضرر وأن إلغاء أدوات الردع أوجد فراغا تشريعيا وسوقياً.
وطالبوا بإيجاد أدوات مالية بديلة وبضرورة الموازنة بين العدالة والضمان الاقتصادي.
جاء ذلك خلال المؤتمر الوطني الأول للقانون والاقتصاد 2025 الذي عُقد السبت في عمّان تحت عنوان «أثر التعديلات على قانون التنفيذ ورفع الحماية الجزائية عن الشيكات على القطاعات الاقتصادية»، بتنظيم من نقابة المحامين الأردنيين، وبمشاركة كل من جمعية البنوك وغرفتي الصناعة والتجارة والاتحاد الأردني لشركات التأمين.
وجاء انعقاد المؤتمر في توقيت بالغ الأهمية بعد دخول التعديلات على قانون التنفيذ وقانون العقوبات حيّز التنفيذ في الخامس والعشرين من حزيران الماضي، التي نصت على إلغاء الحبس في الالتزامات التعاقدية ورفع الحماية الجزائية عن الشيكات، ما أثار جدلاً واسعاً حول آثارها على الائتمان والثقة التجارية والاستقرار الاقتصادي.
أبو عبود: إلغاء أدوات الردع خلق فراغاً تشريعياً وسوقياً
نقيب المحامين الأردنيين يحيى أبو عبود أكد أن انعقاد المؤتمر جاء في وقت مفصلي لمناقشة أثر سريان التعديلات التشريعية على البيئة الاقتصادية والاستثمارية.
وقال أبو عبود إن «الشيك والحبس التنفيذي كانا عبر عقود من الزمن ركيزة لضمان الالتزامات وتحقيق الفاعلية في العقود والمعاملات، كما أسهما في تعزيز الثقة بالاقتصاد الأردني واستقراره». وأكد أن إخراج هذه الأدوات من دورها الضامن بدون تبني بدائل مكافئة «سيترك فراغاً تشريعياً وسوقيا واضحا».
وذكّر بأن الاقتصاد الأردني اعتمد على هذه الأدوات لضمان الحقوق والتوازن في العلاقات المالية، وأن غيابها «يضعنا أمام تحديات جديدة تتطلب حلولًا فنية وتشريعية متوازنة تحافظ على الثقة بالاقتصاد الوطني.
الحاج توفيق: الثقة بين الدائن والمدين تراجعت
من جهته، قال رئيس غرفتي تجارة الأردن وعمّان العين خليل الحاج توفيق إن المؤتمر يهدف إلى تقييم الأثر الفعلي للتعديلات على الواقع الاقتصادي بعد مرور أشهر على تطبيقها.
ورأى أن التجربة العملية أظهرت أن «الثقة بين الدائنين والمدينين تراجعت بشكل ملموس». وأشار إلى أن «شمول القضايا السابقة لتاريخ 25 حزيران بالتعديلات ترك أثراً سلبياً على السوق، وأدى إلى تراجع حجم التسهيلات الائتمانية المقدمة للتجار وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة».
وأوضح أن القطاعات التجارية لا تطالب بحبس المواطنين على قروض استهلاكية أو نفقات معيشية، وإنما «بحصر الحبس في التعاملات التجارية بين التجار والشركات لضمان استمرارية الثقة بالبيع الآجل والتعامل التجاري الآمن».
أبو حسان: الصناعة تضررت ومطلوب أدوات مالية بديلة
أما نائب رئيس غرفة صناعة الأردن هاني أبو حسان، فشدد على أن التوازن بين حماية حقوق الدائنين وضمان ظروف عادلة للمدينين يمثل معادلة دقيقة لاستمرار النشاط الاقتصادي.
وقال إن القطاع الصناعي يضم أكثر من 18 ألف منشأة تشغّل نحو 270 ألف عامل، ويسهم بنسبة 25% من الناتج المحلي الإجمالي بشكل مباشر و45% بشكل غير مباشر، ويقود الصادرات الوطنية إلى أكثر من 145 سوقًا حول العالم.
ونبه إلى أن «71% من المصانع تعتمد على الشيكات كوسيلة رئيسية للدفع، وأن 5 من كل 10 منشآت صناعية تضررت مبيعاتها بعد رفع الحماية الجزائية عن الشيكات».
ودعا إلى «تطوير أدوات دفع إلكترونية وتقنيات ائتمان حديثة وتعزيز دور نظام المعلومات الائتمانية لتقييم المخاطر المالية مسبقًا، حتى لا تتحول التعديلات إلى عبء على النشاط الصناعي».
وطالب أبو حسان بإيجاد تعديلات تشريعية تدريجية تراعي خصوصية القطاعات الإنتاجية، وتدعم استقرار بيئة الأعمال، وتفعيل الحوار الدائم بين القطاعين العام والخاص لتحديث التشريعات المالية والتجارية بما ينسجم ومتطلبات رؤية التحديث الاقتصادي.
المحروق: التعديلات أحدثت خللًا في الثقة الائتمانية والبدائل لم تكن جاهزة
وقدّم المدير العام لجمعية البنوك في الأردن الدكتور ماهر المحروق قراءة نقدية تفصيلية لأثر التعديلات على القطاع المصرفي، وأكد أن البنوك تدرك أهمية البعد الإنساني للتعديلات، لكنها تواجه في الوقت ذاته تحديات واقعية في التحصيل وضمان الالتزامات.
وقال المحروق إن إلغاء الحبس في القضايا المالية ورفع الحماية الجزائية عن الشيكات «جاءا من منطلق إنساني وقانوني محمود، لكن التطبيق العملي أظهر وجود فجوات تشريعية وغياب أدوات ردع فعالة تحفظ الثقة الائتمانية».
وأوضح أن البنوك في الأردن لم تكن تعتمد الحبس ضمانا أساسيا للإقراض، «لكنها كانت تراه أداة ضبط تمنح التعاملات المالية قدرًا من الانضباط والثقة المتبادلة».
ولاحظ أن إلغاء الحبس بدون وجود بدائل جاهزة «أحدث صعوبات حقيقية في عمليات التحصيل، ورفع من كلفة المخاطر الائتمانية، وبخاصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على التسهيلات قصيرة الأجل».
وكشف المحروق أن جمعية البنوك أعدت ورقة موقف تحليلية شاملة درست أثر التعديلات على التعاملات المصرفية.
وخرجت الورقة بعدد من التوصيات العملية من أبرزها: تطوير منظومة البدائل المدنية الفعّالة من خلال الحجز الإلكتروني وتفعيل التنفيذ المالي عبر المنصات الرقمية. وتوسيع قاعدة البيانات الائتمانية من خلال شركة «كريف الأردن» وربطها بالقطاعات كافة. وإنشاء سجل وطني للمتعثرين لضبط الالتزامات والحد من المخاطر. وتفعيل قانون الإعسار وإعادة النظر بآلياته لضمان التوازن بين حماية الدائن وإعطاء فرصة للمدين الجاد في السداد.
وشدد على أن هذه الخطوات تهدف إلى «الحفاظ على الثقة بالنظام المالي، وتعزيز الانضباط الائتماني، وتمكين البنوك من تقديم التسهيلات بشكل آمن ومتوازن يخدم الاقتصاد الوطني ولا يثقل كاهل المواطنين».
الكلوب: الموازنة بين العدالة والضمان الاقتصادي ضرورة وطنية
أما الرئيس التنفيذي للاتحاد الأردني لشركات التأمين مؤيد الكلوب فدعا إلى «إيجاد الموازنة بين حماية حقوق الدائنين وضمان استقرار التعاملات المالية، وبين مراعاة الظروف الإنسانية للمدينين».
ورأى أن المؤتمر يشكل منصة وطنية للحوار بين مختلف القطاعات القانونية والاقتصادية لوضع توصيات واقعية أمام صانع القرار، تُسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني والحفاظ على السلم المجتمعي».
مؤشرات رسمية حول أثر التعديلات
وبحسب مديرية الأمن العام – إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل، فقد تم بتاريخ 25/6/2025 الإفراج كلياً عن 342 نزيلاً وجزئياً عن 163 نزيلاً من قضايا عدم دفع الدين، ليصل مجموع المفرج عنهم حتى 25/8/2025 إلى 991 نزيلا إفراج كلي و325 جزئيا. كما أصدرت المحاكم 84,164 مذكرة «كفّ طلب» نتيجة لإلغاء الحبس في الالتزامات التعاقدية أو سداد الديون أو ترك القضايا.
وفي المقابل، سجلت المحاكم 88,460 قضية مالية منذ بداية العام، مقارنة بـ118,274 قضية خلال العام الماضي.
أما في قطاع الشيكات، فقد تم تداول 6.5 مليون شيك في عام 2024 بقيمة 40.3 مليار دينار، أعيد منها 148,858 شيكا لأسباب مالية بقيمة 1.103 مليار دينار. وفي العام الحالي وحتى نهاية آب، تم تداول 4.1 ملايين شيك بقيمة 26.7 مليار دينار، أعيد منها 91,232 شيكاً لأسباب مالية بقيمة نصف مليار دينار تقريباً.