تُعد قضية الفاقد المائي في محافظة الطفيلة من أبرز التحديات التي تواجه قطاع المياه، وتُلقي بظلالها على الأمن المائي والخدمات المنزلية، خاصة وأن الأردن يُصنَّف بين الدول الأكثر ندرة في المياه على مستوى العالم. وتُقدَّر الفاقدات في بعض المناطق بنحو نصف الكمية المخصصة للتوزيع، نتيجة التسريبات، والعدادات غير الدقيقة، والربط العشوائي وغير القانوني، ما يفرض ضرورة وجود استراتيجيات فعّالة لمعالجتها وتقليل تأثيرها على حياة المواطنين.
واستجابة لهذه الظاهرة، شهدت الجهات المختصة تحركات ملموسة للتصدي للفاقد المائي في المحافظة، إذ أعلنت إدارة عقد مياه الطفيلة استبدال نحو 15 ألف عداد قديم بعدادات أحدث وأكثر دقة، من أصل 21 ألف عداد موجود في المحافظة، بهدف تحسين دقة قياس الاستهلاك وتقليل الهدر المائي. وهو ما يعكس جهدا فنيا وإداريا متكاملا لتحسين كفاءة توزيع المياه، وأسهم في خفض نسبة الفاقد المائي من معدلات مرتفعة سابقة إلى نحو 46 بالمئة.
وتندرج هذه الخطوة ضمن مشروع أوسع لتأهيل شبكات المياه في الطفيلة، يشمل تجديد البنى التحتية الأساسية، وتحسين أنظمة الضخ، وتركيب أنظمة مراقبة ذكية للكشف المبكر عن التسريبات، إضافة إلى تأهيل الخطوط الرئيسية والفرعية لضمان وصول المياه بكفاءة إلى جميع المستخدمين. وقد أشاد مختصون بهذه الخطوات التي تمثل حجر الأساس في الحد من الفاقد المائي وتطوير إدارة الموارد المائية في المحافظة، بما يتماشى مع المعايير الوطنية والدولية.
وإلى جانب البعد الفني، تولي إدارة المياه أهمية كبيرة للجانب التوعوي؛ حيث نفذت وزارة المياه والري، بالتعاون مع الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا)، برنامجا توعويا في مدارس منطقة جرف الدراويش، شمل محاضرات وورش عمل للطلبة حول أهمية ترشيد الاستهلاك، والكشف عن التسريبات، وكيفية التصرف الذكي داخل المنازل. كما تم توزيع مواد تثقيفية على الطلاب والحضور، بهدف غرس مفهوم ترشيد استهلاك المياه لدى الجيل الصغير، ليصبحوا سفراء للتوعية داخل أسرهم ومجتمعهم.
ويؤكد المهندس ربيع العمايرة، مدير إدارة مياه عقد الطفيلة، أن المواطن هو شريك مباشر في تحقيق تقدم حقيقي في ملف الفاقد المائي، مشددا على أن إصلاح الشبكات واستبدال العدادات أمر ضروري، لكن الأهم هو أن يدرك كل بيت كيفية التعامل مع المياه بوصفها ثروة وطنية محدودة.
ويضيف العمايرة أن الخطة القادمة ستشهد تكثيف تدريب الكوادر الفنية للتدخل السريع عند اكتشاف أي أعطال، مع الاعتماد على تقنيات رقمية متقدمة لتقليل زمن الاستجابة، إلى جانب نشر المزيد من المواد التوعوية للمواطنين حول أهمية ترشيد الاستهلاك والحد من الفاقد.
وعلى الرغم من هذه الجهود، يبقى الطريق أمام الطفيلة طويلا لتحقيق خفض ملموس في نسب الفاقد المائي، إذ ما تزال العديد من شبكات المياه في بعض المناطق تعاني من التقادم، ما يجعلها عرضة للتسربات المتكررة ويزيد من حجم الخسائر. وهذا يتطلب مزيجا من الحلول تشمل: الصيانة المستمرة، واستبدال العدادات، وتحسين البنية التحتية، والمراقبة باستخدام أنظمة رقمية ذكية، إضافة إلى حملات توعية مكثفة تستهدف المدارس والمنازل على حد سواء.