- الاعتدال الأردني يقود موجة الاعترافات
- صوت أردني واضح في نصرة الفلسطينيين
- لا سلام دون الاعتراف بإنسانية الفلسطيني
- إقامة الدولة الفلسطينية مصلحة أردنية عليا
- قضية فلسطين العادلة "أوليتنا السياسية"
عاد جلالة الملك عبدالله الثاني في الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، ليحمل الصوت الأردني الواضح في نصرة القضية الفلسطينية وإبرازها، باعتبارها جوهر الاستقرار في المنطقة.
شكّل الخطاب استمراراً لنهج ثابت رسخته الدبلوماسية الأردنية منذ عقود: لا استقرار دون إنصاف الشعب الفلسطيني، ولا سلام دون حل الدولتين.
في لحظة دولية يختلط فيها الصخب السياسي مع محاولات التهميش، ذكر الأردن العالم بأن الاحتلال هو جذر الصراع، وأن العدوان على غزة ليس إلا مشروعاً إسرائيلياً للتهجير والإبادة، وأن الخيار العسكري لم يأت بحلول ناجعة على مدى عقود، وأن المسار الذي كان يهدف إلى ايجاد تسويات استغلته إسرائيل لتشتيت الانتباه وللمضي بسلوكها غير المبالي بالسلام الحقيقي، ففكرة السلام غير موجودة في قاموس الحكومة الإسرائيلية الحالية.
وقال جلالته في هذا السياق: "الصمت عن حجم الأزمة والصراع في الشرق الأوسط قد يعني قبول الوضع الحالي والتخلي عن إنسانيتنا، وهو أمر لا يمكنني القيام به"، مضيفاً: "عام آخر، ومرة أخرى تعقد فيها اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومحفل آخر أقف فيه أمامكم لأتحدث عن القضية ذاتها: الصراع في الشرق الأوسط".
وأكد: "الجميع يدرك أن القوة ليست أساساً لتحقيق الأمن، بل مقدمة لعنف أكبر"، لافتاً إلى أن "الحروب المتكررة تعلم أجيالاً من الفلسطينيين والإسرائيليين أن السلاح هو ملاذهم الوحيد".
يتميز الموقف الأردني بأنه لم يتغير عبر السنوات، فمنذ مبادرة السلام العربية عام 2002، جعل الأردن من إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 ركناً أساسياً في خطابه الموجه إلى العالم.
جلالة الملك لم يكل ولم يمل يوماً من إعادة تكرار هذه الحقيقة في المحافل الدولية، ليكرّس في وعي صانعي القرار أن حل الدولتين ليس خياراً ثانوياً،بل هو السبيل الوحيد لتحقيق سلام عادل ودائم.
وشدّد جلالته: "الأمن لن يتحقق إلا عندما تبدأ فلسطين وإسرائيل في العيش جنباً إلى جنب. هذا هو حل الدولتين، وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، الذي يدعو لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة القابلة للحياة وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب دولة إسرائيلية آمنة تعيش بسلام مع جيرانها"، وختم هذه الرسالة بقوله: "الوقت قد حان حتى يصبح السلام واقعاً".
صدقية الدور الأردني يعززها نهج الاعتدال الذي تكرّس منذ تولي الملك سلطاته الدستورية عام 1999، بالابتعاد عن المماحكات الإقليمية والتمسك بالمواقف المبدئية، ما جعل المملكة قائدة لخط الاعتدال في منطقة تعصف بها الأزمات.
وللتذكير بواجب المجتمع الدولي، قال الملك: "الأمم المتحدة تأسست قبل 80 عاماً للتعلم من دروس التاريخ وتفادي تكرار الأخطاء، وعلى الرغم من ذلك، يعيش الفلسطينيون منذ ذلك الوقت في دوامة قاسية جراء تكرار تلك الأخطاء".
منذ عام 2009، حاولت حكومات نتنياهو المتعاقبة أن تمارس عملية "غسل دماغ" سياسي للعالم، عبر تشويه صورة النضال الفلسطيني، وتحويل النقاش إلى مسائل أمنية بحتة، مع إجهاض أي حديث عن حل الدولتين. في مواجهة هذا التيار، كان خطاب الملك عبدالله الثاني دوراً مضاداً ومدروساً: مواجهة التزييف الإسرائيلي بتكرار الحقائق الجوهرية، بأن أصل الأزمة هو الاحتلال، وأن أي محاولة لتجاوز هذا الجذر لا تعني سوى تكريس العنف وعدم الاستقرار.
اليوم، ومع توالي الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، يثبت أن الجهد الأردني كان العامل الحاسم في إبقاء حل الدولتين حياً، وفي إعادة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي.
وقد وصف الملك هذا التحول بقوله: "وسط هذا الظلام الحالك، هناك بصيص أمل؛ فنحن نشهد المزيد من الدول التي تعلي صوتها بتأييد وقف دائم لإطلاق النار في غزة، بما يضمن إطلاق سراح جميع الرهائن، وإيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق، ودعم الشعب الفلسطيني في إعادة الإعمار»، مضيفاً: «على مدى العامين الماضيين، رأينا أخيراً ضمير العالم يتحرك، ويجب على الأمم المتحدة أن تردد هذا النداء: الوقت قد حان، وأن تلبي هذا النداء، حتى يصبح السلام واقعاً".
لهذا جاء خطاب الملك رافضاً للسوداوية والانهزامية، ومعلياً من صوت الحق، ومؤكداً أهمية تأثير الكلمة التي هي سلاح لا يمكن التخلي عنه لئلا يستسلم الجميع للأمر الواقع، فيغدو الزيف وكأنه حقيقة. مثلما حمل دعوات إلى الضمائر الحية لوقف المآسي التي يعيشها الشعب الفلسطيني الذي استشهد وجُرح منه عشرات الآلاف منذ نحو عامين نتيجة العدوان الإسرائيلي.
بعد السابع من تشرين الأول وما تلاه من عدوان وحشي على غزة، تعاظم الدور الأردني بشكل غير مسبوق، أدرك الأردن أن العدوان ليس مجرد رد عسكري، بل مشروع استراتيجي إسرائيلي للتهجير والإبادة، فاختار أن يعيد الصراع إلى جذوره: الاحتلال، وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
منذ ذلك الحين، وظف جلالة الملك شبكة علاقاته الدولية وخطابه المتزن لإقناع العالم بضرورة الاعتراف بدولة فلسطين كخطوة مضادة لمشاريع الضم والتوسع الاستيطاني.
الأردن لم يكتف بالخطاب العاطفي أو السياسي، بل استثمر في رصيده من المصداقية: دولة تحترم الاتفاقيات الدولية، عاشت تجربة ديمقراطية متدرجة، وتحافظ على استقرار داخلي وسط إقليم ملتهب. هذه السمات جعلت من صوت الملك محط ثقة واهتمام، حتى لدى العواصم الغربية المترددة. في المقابل، باتت إسرائيل -بسلوكها الدموي- تبدو كـ"نشاز" في المجتمع الدولي، على حد وصف محللين غربيين.
صحيح أن توالي الاعترافات بالدولة الفلسطينية يمثل إنجازاً سياسياً وأخلاقياً، لكن الملك شدد على أن هذه الاعترافات يجب أن تتحول إلى وقائع على الأرض، وإلا ستبقى المنطقة رهينة دورات العنف. فالاستقرار الإقليمي مرهون بوقف العدوان وإنصاف الفلسطينيين، وليس بمشاريع أمنية مؤقتة.
لقد كان خطاب الملك امتداداً لنهج ثابت: الأردن يرى في إقامة الدولة الفلسطينية مصلحة عليا، ليس فقط دفاعاً عن الحق الفلسطيني، بل حماية للاستقرار الإقليمي والدولي.
وبينما ظن البعض أن القضية الفلسطينية غابت عن الأجندة الدولية، أثبت الأردن أنه الصوت الدائم لها، وأن الاعتدال حين يقترن بالمصداقية والجهد المتواصل قادر على إعادة تشكيل وعي العالم.
إن ما يقوم به الأردن اليوم ليس مجرد دفاع عن قضية تشكل أولوية سياسية بالنسبة لها، بل إعادة رسم معادلة الأمن والسلام في المنطقة، على أساس أن العدالة هي شرط الاستقرار، وأن فلسطين الحرة هي المدخل الوحيد لعالم أكثر أماناً.
ما يجري اليوم على الساحة الدولية لم يحدث منذ ثمانية عقود. فللمرة الأولى نشهد أكثر من نصف دول الاتحاد الأوروبي تصطف إلى جانب الحق الفلسطيني بشكل واضح وصريح، في خطوة تعكس حجم التحول العميق في المزاج الدولي. وإذا ما انضمت إيطاليا إلى ركب الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فإن ذلك سيشكل نقطة تحول فارقة في الموقف الأوروبي بأسره.
في المقابل، يبقى على من تبقى من العقلاء في إسرائيل أن يدركوا أن العالم قد تغير، وأن الاستمرار في إنكار الآخر وحقوقه لن يقود إلا إلى مزيد من العزلة.. لا سلام يمكن أن يتحقق دون الاعتراف بإنسانية الفلسطيني وكرامته، ودون قبول وجوده على أرضه بدولته المستقلة.
ما جرى في نيويورك وما تلاه من اعترافات يمثل خطوة إلى الأمام لن تعود إلى الوراء. إنها بداية موجة متصاعدة من الدعم الدولي لفلسطين، تضع إسرائيل أمام واقع جديد لم تعد فيه قادرة على التحكم بالرواية كما اعتادت. أما اليمين الإسرائيلي، الغارق في أوهامه والمأسور بفائض القوة والغطرسة، فلن يناله إلا مزيد من العزلة والنبذ.
اليوم، لم يعد هناك دولة وازنة واحدة في العالم لا تطالب بوقف الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني. لقد استعاد العالم شيئًا من ضميره، ورأى في صمود الفلسطينيين على أرضهم برهاناً على أن من حقهم أن تكون لهم دولة، وأن يعيشوا بسلام وحرية، وأن يحصلوا على حقوقهم كاملة. فما يجري في الضفة من عربدة المستوطنين، وما تشهده غزة من إبادة، لن يفلح في كسر إرادة شعب اختار الحرية والكرامة.