كشف أحدث استطلاع للرأي أعده الدكتور نبيل كوكالي، عبر المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)، عن مشاعر القلق العميق والإحباط السائد بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، تجاه مقترحات التهجير التي أثارها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وإدراكهم لتداعياتها الخطيرة على مستقبل القضية الفلسطينية بأكملها.
أظهرت نتائج الاستطلاع، الذي حصلت «الرأي» على نسخة منه، أن 58.8% من الفلسطينيين يعتقدون أن مقترح التهجير سيؤثر سلباً على الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة، وكان القلق أعلى بشكل لافت في قطاع غزة (73.6%) مقارنة بالضفة الغربية (53.4%). ويعكس هذا الفارق الواقع المختلف الذي تعيشه المنطقتان، حيث يعاني سكان غزة من الحصار المستمر والهجمات العسكرية المتكررة، ما يجعلهم أكثر شعوراً بالهشاشة والتهديد الوجودي المباشر، وبالتالي أكثر حساسية لأي خطط تهجير.
كما يتوقع غالبية الفلسطينيين (55.9%) أن تتعرض مصر والأردن لضغوط دولية لقبول تهجير الفلسطينيين، وبلغت هذه النسبة 61.3% في غزة و54.0% في الضفة الغربية. وتكشف هذه النتيجة عن اعتقاد راسخ بأن السياسة الدولية، وخصوصاً الأمريكية، قد تضحي بالدول العربية المجاورة وتدفعها لتغيير مواقفها التاريخية الداعمة للقضية الفلسطينية لتحقيق أهداف جيوسياسية جديدة.
ورغم القلق الكبير، أبدى سكان غزة تفاؤلاً نسبياً أكبر بقدرتهم على منع التهجير، إذ قال 61.3% منهم إنهم قادرون على منعه، مقارنة بـ46.4% في الضفة الغربية. ويمكن تفسير هذا التفاؤل في غزة بروح المقاومة التي تغذيتها سنوات الحصار والصمود، والاعتماد على فصائل المقاومة المسلحة كأداة للرد، في حين أن سكان الضفة الغربية، نتيجة التنسيق الأمني مع إسرائيل وشعور بالعزلة السياسية، يعبرون عن ثقة أقل في القدرة على المواجهة بعد أن فرغت السلطة وإسرائيل من القضاء على الفصائل المقاومة.
وفيما يتعلق بالدور العربي والإسلامي، فقد أظهر الاستطلاع موقفاً سلبياً حاداً، حيث رأى 66.9% من المستطلعين أن الدول العربية والإسلامية لا تقوم بالدور المطلوب لدعم صمود الفلسطينيين في غزة، وبلغت هذه النسبة ذروتها في غزة نفسها (73.0%). ويعبر هذا عن حالة من «الخذلان العربي» عميقة الجذور، تفاقمت بسبب عمليات التطبيع الأخيرة مع إسرائيل، والتي يرى الفلسطينيون أنها تتم على حساب قضيتهم وحقوقهم.
أما حول الهدف الرئيسي من مقترح التهجير، فقد توزعت آراء المشاركين على النحو التالي: 33.2% قالوا إنه يهدف إلى فرض واقع جديد لصالح إسرائيل، و27.4% رأوه يستهدف القضاء على حركة حماس، فيما قال 20.5% إنه للسيطرة على الموارد الطبيعية مثل غاز غزة، و18.7% اعتبروا أن الهدف هو تقليل عدد الفلسطينيين ديموغرافياً. ويدرك الفلسطينيون أن هذا المقترح ليس حدثاً معزولاً، بل هو جزء من استراتيجية شاملة طويلة الأمد تخدم المصالح الإسرائيلية في الهيمنة الجغرافية والديموغرافية والاقتصادية على كامل الأرض الفلسطينية.
وعند سؤالهم عن الحل البديل الأفضل لغزة، جاءت أولويات الفلسطينيين كالتالي: 28.4% دعوا إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة (حل الدولتين)، و24.7% إلى زيادة الضغوط الدولية لإنهاء الحصار، و22.8% إلى تحسين الظروف الاقتصادية، و17.4% إلى عودة السلطة الفلسطينية لحكم غزة وإنهاء الانقسام. وعلى الرغم من التحديات الكبيرة، فإن حل الدولتين لا يزال الخيار الأكثر شعبية، مما يؤكد تمسك الفلسطينيين بالمسار السياسي. كما أن الدعوة لعودة السلطة إلى غزة، والتي يؤيدها 28.0% من سكان غزة، تشير إلى رغبة شعبية في لمّ الشمل وإنهاء الانقسام ?لداخلي لمواجهة التحديات الخارجية.
أما بخصوص النظرة إلى مستقبل القضية الفلسطينية، فقد رأت النسبة الأكبر من المشاركين أن الأمور «تسير إلى الأسوأ»، إذ قال بذلك 57.5% في غزة و47.5% في الضفة الغربية. وعن إمكانية حل الدولتين، فقد أشار 43.7% إلى أنه لم يعد ممكناً، خاصة في الضفة الغربية (45.1%)، حيث يشهد السكان التوسع الاستيطاني يومياً. وفي ما يتعلق بدور المجتمع الدولي، فقد انقسمت الآراء، حيث يعتقد حوالي نصف المستطلعين أنه يمكن أن يلعب دوراً في حل القضية، ما يعكس شعوراً بعدم اليقين وانعدام الثقة الكاملة.
ويسود التشاؤم والانقسام الرأي العام الفلسطيني، وسط إحساس عام بأن الظروف الإقليمية والدولية تتجه ضد مصالحهم، وأن السيناريوهات السياسية التقليدية أصبحت بعيدة المنال.
وقد خلص الاستطلاع إلى عدة حقائق جوهرية، أبرزها أن التهجير يمثل «الخط الأحمر» بالنسبة للفلسطينيين، ويثير لديهم مخاوف وجودية عميقة الجذور مرتبطة بنكبة عام 1948. كما أظهر أن الفجوة بين الضفة وغزة ليست جغرافية فحسب، بل سيكولوجية وسياسية أيضاً، حيث تبدو غزة «المحاصرة والمقاومة» أكثر قلقاً من التهجير ولكن أيضاً أكثر ثقة في قدرتها على مقاومته، في حين أن الضفة الغربية «المحتلة والمنسقة أمنياً» أقل قلقاً من التنفيذ ولكنها أكثر تشككاً في القدرة على منعه.
كما أشار الاستطلاع إلى أزمة ثقة عميقة تجاه الدورين العربي والدولي، مما يضع الفلسطينيين في موقف من الاعتماد على الذات والشعور بالعزلة. ورغم كل هذه الظروف، فإن الغالبية العظمى من الفلسطينيين ما زالوا يؤكدون تمسكهم بالبقاء على أرضهم ورفضهم لأي شكل من أشكال التهجير، ما يبرهن على أن القضية الفلسطينية ليست مجرد صراع على الأرض، بل هي صراع على الهوية والوجود.