المستشارة النفسية والاجتماعية، الدكتورة أمينة التميمي
"الترند محاولة للتصالح مع الذات وكبح الطفل الداخلي"
"احتضان صورة الطفولة يخفف التوتر ويعزز الشعور بالرضا"
خبير الأمن السيبراني، المهندس رامي الدماطي
"رفع صور الطفولة قد يعرّض بياناتك البيومترية للخطر"
"خوارزميات التواصل الاجتماعي تضخم الظاهرة بدافع التفاعل السريع"
وكلما تصفحنا هذه المواقع أكثر، ظهرت مشاركات لأشخاص يعانقون أنفسهم، ويضعون أيديهم على أكتافهم أو يحتضنون ذواتهم الصغيرة، بعضهم دمج صورته الحالية بجانب سيارة فارهة وصورته القديمة بملابس متواضعة، وكأنه يقول: "انظر أين كنت وأين أصبحت"، فيما يعكس آخرون مشاعر التعب التي أنهكتهم جراء ما عاشوه.
وشارك في الترند أيضا فنانون وممثلون، بعضهم دمج صورته وهو طفل لم يتجاوز الرابعة، وآخرون اختاروا صورا من فترة الشباب، وكأنهم يحنّون إلى تلك المرحلة تحديدا، فيظهر الشخص وهو يعانق نفسه في العشرينات وكأنه يفتقد ويحن لذلك العمر.
هذه الصور التي أثارت العواطف أشعلت أيضا فتيل التساؤلات: لماذا ينجذب الأشخاص إلى فكرة دمج صورهم الحالية مع صور طفولتهم؟ هل يرتبط ذلك بالحنين إلى الماضي (النوستالجيا) أم بالرغبة في مقارنة الذات؟ هل تعزز هذه التجربة تقدير الذات أم تُضعفه؟ وهل بداخل كل إنسان طفل لا يكبر؟
مشاعر مختلطة
تقول المستشارة النفسية والاجتماعية، الدكتورة أمينه التميمي: "وفق اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة، يمتد عمر الطفولة حتى سن 18 عاما، وإذا لاحظنا نجد أن معظم الأفراد في هذه المرحلة يمضون سنواتهم في الدراسة والمدرسة دون أن يتحملوا تبعات مادية أو مسؤوليات مباشرة، لتبقى مسؤولية هذه المرحلة على عاتق الوالدين والبيئة المحيطة".
وتضيف لـ"الرأي": "لذلك فإن نظرة الطفل للعالم تكون أكثر براءة، تنحصر في حدود ما توفره له الأسرة والمدرسة والأصدقاء، وتفتقر غالبا إلى المهارات اللازمة للتعامل مع الشخصيات والخبرات المتعددة في الحياة".
وتكمل: "لكن مع التقدم في العمر والانتقال إلى مراحل جديدة مثل الجامعة والعمل والزواج، تبدأ التجارب الحياتية بالتراكم، وتتغير العديد من قناعاته، بعضها يكون قاسيا خاصة في مجال العمل والكسب المعيشي؛ ما يضطره إلى تقمص أدوار لم يعتدها من قبل، كالمجاملة أو إخفاء مشاعره الحقيقية ليتكيف مع متطلبات الواقع بدافع الراشد الذي بداخله، فهو لم يعد طفلا وعليه أن يتخلى عن العديد من الرغبات ويكبحها ويحجم هذا الطفل داخله".
وتشير التميمي إلى أن هذا الصراع بين ما يرغب به الإنسان داخليا وما يضطر إلى إظهاره خارجيا يولّد توترا داخليا ويؤثر على رضا الفرد عن ذاته وتقديره لنفسه، إذ يشعر بعض الأشخاص بأنهم ينافقون أو أقل من غيرهم. ومن هنا يظهر الشوق الدائم لبراءة الطفولة والحنين لأيام خالية من المسؤوليات والهموم.
وترى أن "هذا الترند يحمل جانبا إيجابيا، إذ يعكس محاولة الشخص التصالح مع ذاته، فهو عندما يحتضن صورته وهو طفل كأنه يربت على نفسه ويقول: ما زلت أنا، ذلك الطفل البريء الجميل. مؤكدا أن هذا الكبير والذي تغير في الشكل هو نفسه ذلك الصغير البريء".
وتشير إلى أن هذه الصور تمثل لدى البعض مصدر فرح وتصالح مع الذات لتصل لدى البعض بالإحساس بالكمال خاصة لمن هم بأعمار كبيرة، أو وسيلة لتخفيف وطأة التوتر والاكتئاب الناتج عن ضغوط الحياة، فيما ينظر آخرون إليها كإثبات لأنفسهم بأنهم لم يتغيروا رغم تقدم العمر.
وتضيف: "هذا الترند يفتح باب المواجهة مع مشاعر مختلطة وصراعات داخلية، لكنه في الوقت ذاته يعزز فكرة أن الخبرات الجديدة ــ مهما كانت قاسية ــ هي التي تصقل المهارات وتبني الشخصية".
وتختم التميمي بالقول: "إجمالا، أرى أن هذا الترند يمثل خطوة نحو التصالح مع الذات تبدأ من الحنين إلى الماضي، ليقف الفرد في مواجهة مشاعره المختلطة وصراعاته الداخلية، ويدرك أنها جزء لا يتجزأ من شخصيته، وأن لولا الخبرات الجديدة لما امتلك المهارات التي يمتلكها اليوم. ويبقى الحديث الأزلي "ما أجمل أيام زمان" هو المسيطر، والدافع لغد برائحة الماضي الجميل".
حماية وخصوصية
من جانبه يحذر خبير استراتيجيات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي في شركة "ميتاسيرف مي"، المهندس رامي الدماطي، من المخاطر التي تهدد خصوصية البيانات، مشيرا إلى أنه عند رفع صور شخصية (قديمة أو حديثة) إلى تطبيقات الطرف الثالث أو منصات الذكاء الاصطناعي، فإن المستخدم يسلم بيانات بيومترية حساسة مثل ملامح الوجه، العمر، تفاصيل الهوية.
ويبين لـ"الرأي": "هذه البيانات قد تخزن أو تُباع أو تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي دون إذن المستخدم". مشيرا إلى تقارير سابقة حول تطبيقات مشابهة (مثل FaceApp) التي أثارت مخاوف واسعة حول الخصوصية وأمن البيانات".
وفيما يتعلق بكيفية تأكد المستخدم من عدم استعمال الصورة لأغراض أخرى، يجيب: "من الضروري قراءة سياسة الخصوصية للتطبيق بعناية، والتأكد إن الصور تُحذف بعد الاستخدام ولا تُخزن في الخوادم".
ويضيف: "يفضل استخدام أدوات مشهورة وموثوقة لها سمعة جيدة (مثل منتجات جوجل الرسمية كـ Gemini AI، حيث لدى الشركة التزامات معلنة بالشفافية)، إلى جانب رفع الصور من جهاز محمي، وتجنب مشاركة الصور في منصات مجهولة أو تطبيقات غير معروفة".
ويشير إلى أن أية صورة واضحة للوجه يمكن استخدامها في تقنيات التزييف العميق أو لإنشاء هويات مزيفة، أو لتجاوز أنظمة التعرف على الوجه. منبها إلى أن المؤسسات الأمنية حذرت من هذا النوع من الاستخدامات الضارة، خاصة مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي المفتوحة المصدر.
وعزا أسباب انتشار الترند بسرعة السريع إلى العوامل العاطفية، إذ يجمع بين الحنين إلى الطفولة والهوية الحالية، ما يجذب تفاعلا كبيرا، والبساطة وسهولة الاستخدام إذ إنه بضغطة زر، يحصل المستخدم على صورة مؤثرة بصريا. كما أشار إلى عامل "الدليل الاجتماعي"، إذ إن مشاركة المؤثرين والمشاهير لهذه الصور، يتشجع الجمهور على تقليدهم.
ويلفت إلى أن خوارزميات "تيك توك" و"إنستغرام" تعطي أفضلية للمحتوى البصري الجديد والتفاعلي، إذ عندما يحقق محتوى معين نسب تفاعل عالية بسرعة (لايكات، تعليقات، مشاركات)، تقوم الخوارزميات بدفعه لعدد أكبر من المستخدمين، ما يخلق حلقة تضخيم Viral
ويذكر الدماطي الأدوات الأكثر استخداما بهذا الترند "جوجل جيميني (نانو بنانا)، وهو أحد أبرز الأدوات لإنتاج صور “Hug My Younger Self” بشكل أوتوماتيكي، وتطبيقات تعديل الصور بالذكاء الاصطناعي مثل Remini، Lensa AI، FaceApp (مع التحفظ على سياسات الخصوصية).