لم يعد من الغريب أن نرى في المقاهي أو في وسائل النقل أو حتى داخل البيوت، أشخاصاً يجلسون متجاورين، لكن كل واحد منهم غارق في عالمه الخاص على شاشة الهاتف، فقد أصبح هذا المشهد جزءاً من حياتنا اليومية، حتى صار طبيعياً أن يُستبدل الحوار الحقيقي بالصمت الرقمي.
في البداية، كانت منصات مثل تيك توك وإنستغرام مجرد وسيلة للترفيه ومشاركة اللحظات الجميلة، كانت عبارة عن دقائق قليلة لمشاهدة مقطع طريف أو صورة لامعة، ولكن سرعان ما تحولت تلك الدقائق إلى ساعات طويلة تُستنزف من عمر المستخدم من دون أن يشعر.
هنا اتحدث عن الخوارزميات التي باتت تعرف جيداً كيف تُبقي الأعين معلقة بالشاشة، وكيف تفتح الباب لمقطع يجرّ آخر، ولإشعار يتبعه إشعار جديد، حتى يصبح الشخص متعلقا بالمشاهدة.
هذا الانغماس لا يمر بلا أثر، فالإفراط في استخدام هذه المنصات ارتبط بارتفاع مستويات التوتر والقلق، خصوصاً لدى الشباب والمراهقين حسب دراسات كثيرة نشرت في منصات صحية معتمدة.
والغريب أنه مع الوقت، تتراجع القدرة على التركيز، ويزداد الشعور بالفراغ، فيما تتآكل العلاقات الاجتماعية تدريجياً، إذ أصبح الأصدقاء يلتقون جسدياً، وحضورهم الذهني مفقود، كون كل شخص منهم ينشغل بعالمه الافتراضي بدلاً من الاستماع للآخر الذي يجبس معه.
الأمر لم يعد يتوقف عند الجانب النفسي والاجتماعي، بل يمتد إلى طريقة إدارتنا للوقت، إذ أننا نضيع ساعات طويلة يومياً في متابعة محتوى سريع الزوال، بينما تتراجع القراءة والهوايات والعمل الجاد إلى المرتبة الثانية، فأصبح الانتباه سلعة نادرة، والوقت عملة تُستهلك بلا حساب.
ورغم قتامة الصورة، يبقى الأمل قائماً، فالوعي هو الخطوة الأولى نحو التحرر من هذا الإدمان، ويمكن لكل فرد أن يبدأ بخطوات بسيطة مثل، تحديد وقت يومي لاستخدام التطبيقات، ترك الهاتف جانباً أثناء الوجبات أو اللقاءات العائلية، واستعادة لحظات حقيقية بعيداً عن الشاشات.
ولا بد من القول بأن العالم الافتراضي سيبقى جزءاً من حياتنا، لكنه لا ينبغي أن يسرق حياتنا كلها، فالأجمل ما زال ينتظرنا خارج الهاتف؛ في وجوه من نحب، وفي الأحاديث الصادقة، وفي التفاصيل الصغيرة التي تمنح لحياتنا معناها الحقيقي.