قال دوغ باندو، باحث أول في معهد كاتو، عمل سابقاً مساعداً خاصاً للرئيس رونالد ريغان، إن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ما زال يعيش هوساً خاصاً بالفوز بجائزة نوبل للسلام، معتبراً إياها ذروة المجد السياسي والشخصي، رغم افتقاره، بحسب الكاتب، لأي إنجاز حقيقي يبرر حصوله على هذه الجائزة المرموقة.
وأضاف باندو أن تاريخ الجائزة شهد بالفعل جدلاً واسعاً حول بعض قراراتها المثيرة للجدل، لكن في حالة ترامب، فإن المسألة أقرب إلى "مسرحية سياسية هزلية" منها إلى استحقاق دبلوماسي.
تاريخ مثير للجدل للجائزة
وأوضح الكاتب في مقاله بموقع The American Conservative أن جائزة نوبل للسلام لم تخلُ منذ إطلاقها من قرارات مثيرة للنقاش، إذ مُنِحَت أحياناً لأطراف لم تسهم بشكل مباشر في إحلال السلام.
وأضاف أن من أبرز الأمثلة: منحها للرئيس الأمريكي باراك أوباما في مطلع ولايته، رغم أنه لم يحقق حينها أي إنجاز واقعي، ومنحها للاتحاد الأوروبي لمجرد بقائه متماسكاً لا لإنجاز ملموس.
وتابع الكاتب أن الأمر بلغ ذروته عام 1973 حين نالها هنري كيسنجر ولي دوك ثو عن اتفاق وقف إطلاق النار في فيتنام، وهو اتفاق انهار سريعاً، مما أفقد الجائزة الكثير من مصداقيتها.
كما حصلت عليها الهيئة الحكومية لتغير المناخ وآل غور في إطار قضايا بيئية بعيدة عن هدفها الأساسي.
هوس ترامب بالترشيح
وقال باندو إن ترامب أدار حملة نشطة، يقودها مقربون منه وحلفاء دوليون، من أجل ترشيحه للجائزة.
وأوضح الكاتب أن مبعوثه ستيف ويتكوف ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، وحتى الحكومة الباكستانية، لعبوا دوراً في الدفع بترشيحه.
وأضاف أن تقارير عدة أشارت إلى أنه مارس ضغوطاً على رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ليقدّم ترشيحاً مماثلاً، وربط الأمر بصفقات تجارية محتملة.
ورغم تصريحات ترامب المتكررة بأنه غير مهتم، فإن الكاتب يؤكد أنه لم يتوقف عن إبداء استيائه العلني من عدم فوزه، متهماً لجنة نوبل بالتحيز ضده، ومقارناً نفسه بمرارة مع أوباما الذي حصل على الجائزة من دون إنجاز يُذكر.
إنجازات ترامب المزعومة
أضاف الكاتب أن ترامب يستعرض سلسلة من الملفات التي يعتبرها إنجازات دبلوماسية تؤهله للجائزة.
وسرد منها: تهدئة النزاع بين رواندا والكونغو، وخفض التوتر بين الهند وباكستان، وتحسين العلاقات بين صربيا وكوسوفو، والمساهمة في حل أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا، فضلاً عن توقيع "الاتفاقيات الإبراهيمية".
لكن باندو شدد على أن هذه الادعاءات لا تصمد أمام الحقائق:
الهند وباكستان: لم يتحقق أي اختراق حقيقي، فيما تنفي نيودلهي وساطته جملةً وتفصيلاً.
صربيا وكوسوفو: اقتصرت جهوده على تشجيع الحوار، لكنه انهار بعد اتهام رئيس كوسوفو بجرائم حرب.
سد النهضة: أخفقت وساطته تماماً، إذ استمرت إثيوبيا في المشروع رغم اعتراض مصر والسودان.
النزاعات الأخرى: مثل أرمينيا وأذربيجان، لم يقدم حلولاً جذرية.
أوكرانيا وروسيا: مواقفه المتناقضة وتهديداته بالتصعيد زادت التوتر ولم تقرب السلام.
إسرائيل وإيران: تصعيده الخطير بإلغاء الاتفاق النووي، ودعمه اللامحدود لإسرائيل، فاقم الأزمة بدلاً من حلها.
تحيز فج لإسرائيل على حساب الفلسطينيين
تابع الكاتب أن الملف الفلسطيني يكشف بوضوح تناقضات ترامب، إذ تحيز بالكامل لحكومة إسرائيلية متطرفة، مقدماً لها دعماً سياسياً وعسكرياً غير محدود، الأمر الذي جعله شريكاً مباشراً، برأي الكاتب، في قتل مئات وربما آلاف المدنيين الفلسطينيين.
وأشار الكاتب إلى أن المفارقة الكبرى تكمن في أن ترشيحه لجائزة نوبل كان بدفع من بنيامين نتانياهو نفسه، المتهم بارتكاب جرائم إبادة، وهو ما يجعل المشهد برمته أقرب إلى عبث سياسي من كونه مسعى جاداً للسلام.
نوبل أداة لمجد شخصي
أوضح باندو أن الحقيقة الجوهرية تكمن في أن ترامب يرى في نوبل وسيلة لتعزيز مجده الشخصي، لا لإرساء السلام. فالرجل الذي اعتاد انتقاد الحروب الأمريكية السابقة، تورط في سياسات تسببت في كوارث لا تقل خطورة عن تلك التي ورثها.
وأضاف الكاتب أن إصراره على مطاردة "أوسمة براقة" لا يغير شيئاً من الوقائع الميدانية التي تثبت فشل سياساته الخارجية.
حقائق الفشل
خلص الكاتب إلى أن مساعي ترامب للفوز بجائزة نوبل للسلام لا تتجاوز كونها "أوهاماً شخصية" لا سند لها من الواقع.
وأكد أن السلام الحقيقي لا يتحقق عبر الحملات الإعلامية أو الضغط على زعماء العالم للترشيح، بل عبر سياسات متوازنة تضع حياة المدنيين فوق الحسابات السياسية.
واختتم قائلاً إن كان ترامب جاداً في رغبته في خدمة السلام، فالأجدر به أن يركز على إبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن صراعات جديدة، وأن يكرس جهوده لتحقيق الاستقرار لشعبه، بدلاً من مطاردة جائزة فقدت الكثير من بريقها بفعل أمثال هذه الترشيحات.