خبير في التراث الأردني أحمد الكركي:
-الموروث ليس ترفًا .. بل هوية حقيقية لا بد من صونها
-إلى أي مدى نحن قادرون على توثيق هذا الموروث من خلال أصول القصص والحكايات
-الإذاعة الأردنية لعبت دورًا كبيرًا في حفظ الموروث سواء من خلال الأهازيج أو الأغاني الزراعية والعسكرية
-القهوة الأردنية كغيرها من عناصر التراث تخضع الآن لجهود توثيق ضمن خارطة التراث العالمي
قال الخبير في التراث الأردني أحمد الكركي، إن التراث والموروث ليس مجرد رواسب من الماضي، بل هما حيّان يعيشان بين الناس، ويشكلان وجدانهم اليومي.
وأضاف أن السؤال الحقيقي هو إلى أي مدى نحن قادرون على توثيق هذا الموروث من خلال أصول القصص والحكايات، مشيرًا إلى أن العودة إلى فلسفة الأشياء نفسها تقرّب الصورة أكثر إلى الجيل الجديد، وتمنحهم وضوحًا في الفهم والانتماء، لا سيما وأن الكثير من القصص التي يعرفها الناس بتفاصيلها بدأت تغيب عن الوعي العام في ظل هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي.
وأوضح الكركي أنه لم نُبادر نحن بتوثيق هذه التفاصيل وتحريك المياه الراكدة، فإننا سنتجه نحو ما يُعرف في علم الاجتماع بحالة الاغتراب، حين يصبح الإنسان غريبًا عن محيطه، ويتحدث المجتمع عن شيء، بينما ينشغل الشباب في زاوية أخرى مختلفة تمامًا. لذلك، فإن من الضروري تقديم محتوى عبر مواقع التواصل الاجتماعي يشبه الأردنيين ويعبر عنهم، ويعيد إليهم صلتهم الحقيقية بموروثهم.
وأشار إلى أنه يعمد إلى تناول المواضيع بشكل انسيابي، حتى لا يحدث تداخل في الفهم، وضرب مثالًا على ذلك باختلاف اللهجات بين الشمال والوسط والجنوب، مؤكدًا أن هذا الاختلاف لا يقتصر على بعض الكلمات فحسب، بل يمتد إلى طبيعة اللهجة والموروث نفسه، وحتى الأغاني والزغاريد التي تختلف تبعًا لطبيعة الحياة، سواء في الصحراء أو في العقبة أو في مناطق الأغوار.
وقال إن هذا التنوع يشكّل فسيفساء أردنية مميزة، تعكس عمق المجتمع وتعدده الثقافي.
وتحدث الكركي عن الأكلات الشعبية، مبينًا أن المقلوبة في العقبة تُحضّر بالسمك، وهو ما لا نجده في الشمال، موضحا أن مدينة معان تقدم مثالًا واضحًا على هذا التنوّع، إذ تختلف معان الشامية عن معان الحجازية في الموروث الشعبي، وفي شكل البيوت وحتى في تفاصيل الحياة اليومية، فالهريسة مثلًا تُعرف في معان الشامية، أما معان الحجازية فتشتهر بالتوابل وعدة الخيل، والبيوت فيها أقرب إلى البوابة، على عكس البيوت العالية في الشامية، وهو ما يعكس رمزية كود البناء وأبعاده الثقافية.
وتناول الكركي اللهجات الأردنية، بعض الظواهر اللغوية كـ(التشنشنة) نطق الحاء على هيئة (H) تزداد كلما اتجهنا شمالًا، لكنه شدد على أن ما يوحّد الأردنيين من شمالهم إلى جنوبهم هو لهجة الحديث مع الأطفال، والتي تحمل مفردات مثل "أح" و"ضضا"، وهي ألفاظ تعود في أصولها إلى اللغة السريانية التي كانت حاضرة في الأردن في مراحل تاريخية مهمة.
وتطرق إلى أثر الدولة العثمانية في المفردات اليومية، مثل استخدام كلمة "دستور" للاستئذان، ومصطلحات مثل "الشلن" والخمسة قروش، مشيرًا إلى أن هذه التفاصيل من الإرث الثقافي الذي دخل في الحياة اليومية للأردنيين.
وانتقد الكركي تحويل اللهجات الأردنية إلى مادة للسخرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن اللهجة هي جزء من الهوية الأردنية، ولا يصح الاستهزاء بها، بل يجب الاعتزاز بها وفهمها، وبيّن أن الكاف تُكسر في بعض المناطق، وتُشدد في أخرى، وأن هذا التنوع اللغوي يعكس عمق الفسيفساء الأردنية.
وفي حديثه عن الأغنية الأردنية، أكد أن الإذاعة الأردنية لعبت دورًا كبيرًا في حفظ الموروث، سواء من خلال الأهازيج، أو الأغاني الزراعية والعسكرية.
وأضاف أن هذه الأغاني ليست ترفًا بل جزءٌ من الذاكرة الجمعية، منقدا الاستخدام الخاطئ لبعض العبارات في الفيديوهات المنتشرة، كقولهم "حطي عالنار يا جدة"، موضحًا أن هذا الخطاب في التراث الأردني يصدر من الجدة إلى الحفيد، لا العكس.
وأكد الكركي أن الأردن بلد يحتضن التاريخ الحيّ، فهو موطن أقدم قطعة خبز في العالم، وأقدم تمثال بشري وهو تمثال عين غزال، وأقدم كنيسة طينية في العقبة، وأقدم كنيسة كهفية. كما أن فسيفساء أم الرصاص التي رُصفت في العصر العباسي تشكل دليلًا على عمق التعايش الإسلامي المسيحي في الأردن، مضيفًا أن الأردن لا يقوم على مجرد تعايش بل على عيش مشترك، وهو ما يؤكد دور الأردن كبلد للرسالة والوئام.
وتحدث عن رمزية اللباس الأردني، خصوصًا الشماغ الأحمر، مبينًا أنه وإن كان موجودًا في دول عربية أخرى، إلا أن الأردني فقط هو المهدّب، وهذه ميزة تميز الشماغ الأردني عن غيره.
وأشار إلى أن أغاني مثل "يا مهدّبات تلهدب غنّن على وصفي" تعكس هذا البعد الرمزي، مضيفًا أن حتى ميل العقال أو فتحه في الصور التاريخية له دلالات مرتبطة بالحزن أو الفروسية.
وفيما يخص فناجين القهوة، أوضح الكركي أن الهيف، والكيف، والسيف ليست مراحل كما يعتقد البعض، بل أنواع، فالهيف هو الفنجان الذي يُشرب في الدار لتذوق القهوة والتأكد من جودتها، والكيف يُقدم في منتصف الجلسة، والسيف يُقدم في مناسبات الطلبة وله دلالات خاصة.
أكد أن القهوة الأردنية، كغيرها من عناصر التراث، تخضع الآن لجهود توثيق ضمن خارطة التراث العالمي، كما حصل سابقًا مع أكلة المنسف.
كما تناول الكركي موضوع اللباس والغناء النسائي، مشيرًا إلى أن البشكير المعروف في شمال الأردن يُطلق عليه "دق الماني"، نسبة إلى البشكير الألماني. وتحدث عن أنواع الذهب مثل العصملي والعرج الغوازي والمجيديات، التي تعود إلى فترات سياسية مهمة مثل الحرب العالمية الثانية، مما يعكس أن الأردني كان دائمًا معنيًّا بالإرث كما هو معنيّ بالسياسة.
واختتم الكركي حديثه مؤكدًا أن التراث والموروث ليسا ترفًا، بل هوية حقيقية لا بد من صونها.
وأوضح أن الكتب وحدها لا تكفي، بل يجب الإنصات إلى كبار السن الذين يحملون القصص الحقيقية، حتى وإن اختلفت بعض التفاصيل أو المصادر.
وأضاف أن انقطاعًا قد حصل في وقت من الأوقات بين الأجيال والتراث، وربما اعتقد البعض أن التقدم يعني التخلي عن الموروث، لكن اليوم، تؤكد خارطة التراث العالمي أن المحافظة على التراث مسألة جوهرية لفهم الذات وتعزيز الهوية.