يُعَدّ الرحّالة المغربي الشهير ابن بطوطة (1304–1368م) أحد أعلام الحضارة الإسلامية الذين تركوا بصمة لا تمحى في سجل التاريخ الإنساني. فقد مثّلت رحلته الكبرى التي دوّنها في كتابه الشهير "رحلة ابن بطوطة" – والمعروف عالميًا باسم تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار – وثيقةً حضارية نادرة، تجلّت فيها أبعاد اللقاء بين الشرق والغرب في القرن الرابع عشر الميلادي، وأصبحت مرجعًا بارزًا يُستشهد به في الدراسات التاريخية، والاجتماعية، والأنثروبولوجية، والجغرافية.
لقد شكّلت هذه الرحلة نموذجًا فريدًا من نماذج التفاعل الحضاري العالمي؛ إذ تداخلت في طيّاتها أبعاد التجارة والثقافة والدين والمعرفة، وساهمت في تشكيل وعي الأوروبيين بالبلاد الشرقية البعيدة، وعلى رأسها الصين. فبفضل هذا السفر الأسطوري، عبرت السلع والأفكار والمعارف حدود الجغرافيا، وتوسّعت آفاق الرؤية الغربية تجاه الشرق. وفي هذا السياق يُقال بحق: إن ابن بطوطة سخّر حياته الملحمية لبناء جسر متين بين الشرق والغرب، فجاء أثره ممتدًا لأجيال متعاقبة، مؤثرًا في صورة آسيا – وخاصة الصين – في المخيال الأوروبي والعالمي.
صورة الصين في عين ابن بطوطة
من أبرز محطات الرحلة التي دوّنها ابن بطوطة كانت زيارته للصين، إذ تركت هذه التجربة أثرًا بالغًا في تشكيل صورة إيجابية عنها في أذهان القراء العرب وغير العرب على حد سواء. فالكتاب، بسطوره ومشاهداته، كشف عن أواصر تاريخية وثيقة ربطت بين العالم العربي والصين في القرن الرابع عشر، وأبرز عمق التبادل التجاري والثقافي الذي جمع بين الحضارتين. وهنا تتجلى قيمة "رحلة ابن بطوطة" ليس باعتبارها نصًا أدبيًا أو جغرافيًا فحسب، بل باعتبارها وثيقة حضارية تؤكد رسوخ جذور التواصل بين العرب والصينيين منذ عصور بعيدة.
الرمزية التاريخية لرحلة ابن بطوطة
تكمن الأهمية التاريخية والرمزية لهذه الرحلة في حقيقة أنّ ابن بطوطة لم يكن مجرّد رحّالة يصف المشاهدات، بل كان رمزًا يتجاوز حدود عصره، ليطل على أزمنتنا نحن. فخروجه من المغرب إلى الصين في القرن الرابع عشر لم يكن مجرد عبور جغرافي، بل كان قفزة معرفية جعلت منه شاهدًا على عالم واسع المدى، وأحد أبرز صانعي الذاكرة المشتركة بين الشرق والغرب.
إنّ أفضل سبيل للاحتفاء بهذه التجربة الفريدة هو إحياء الذكرى السنوية لوفاته التي بلغت عامها الـ 648، باعتبارها مناسبة تاريخية تستدعي التأمل وتستحق الإحياء. فالاحتفال بذكراه لا يقتصر على تكريم شخصية فردية، بل يتجاوز ذلك ليصبح تجديدًا للعهد بإحياء قيم الصداقة، والاحترام المتبادل، والحوار الثقافي التي أرساها عبر رحلته.
الكتاب الجديد: "رحلة ابن بطوطة في الصين"
وعن دار النشر التي تولّت إصدار الكتاب الجديد "رحلة ابن بطوطة في الصين"، فقد صدر هذا العمل العلمي – الثقافي في الصين سنة 2025 عن دار نشر الملكية الفكرية التابعة لمكتب براءات الاختراع الصيني، وهي مؤسسة رصينة عُرفت بعنايتها بنشر المؤلفات ذات البعد الحضاري والتاريخي التي تعكس روح الحوار بين الأمم. وقد جاء إصداره بمناسبة الاحتفال بالذكرى السادسة والستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين المغرب والصين، ليكون بمثابة هدية فكرية وتاريخية تجسّد الأبعاد الرمزية لهذه المناسبة.
ويمتاز هذا الكتاب بأنه مؤلَّف جماعي شارك فيه نخبة من أبرز المتخصصين الصينيين في اللغة العربية والدراسات المغربية، إلى جانب باحثين عرب، مما أضفى عليه طابعًا علميًا صارمًا ورؤية متعددة الزوايا. وقد أُنيطت مهمة رئاسة تحريره برابطة دار نشر الملكية الفكرية الصينية، في حين أُشرف على مراجعته عدد من الأكاديميين المنتمين إلى الجامعات الكبرى ومراكز البحث المتخصصة في الدراسات العربية–الصينية.
وتكمن أهمية هذا الإصدار في كونه ليس مجرد إعادة طباعة أو ترجمة لنص الرحلة، بل مشروع معرفي متكامل، قُسِّم إلى خمسة أقسام متناسقة تهدف إلى اصطحاب القارئ في رحلة افتراضية متكاملة الأبعاد على طول الطريق الذي قطعه ابن بطوطة بين المغرب والصين. ويُدمَج في هذا العمل الخيال الأدبي المستلهم من روح النص الأصلي مع الواقع الجغرافي والتاريخي للمسالك التجارية القديمة، فيجمع بين السرد الأدبي والتحليل التاريخي والجغرافيا الحضارية، بحيث لا يقتصر على نقل النصوص التراثية، بل يعيد قراءتها في ضوء المنهجيات الحديثة لعلوم التاريخ والجغرافيا الثقافية.
ويُضاف إلى ذلك أن الكتاب يحمل بعدًا دبلوماسيًا ثقافيًا واضحًا، إذ اعتبرته الدوائر الرسمية الصينية "إحياءً معاصرًا لروح طريق الحرير"، وجسرًا جديدًا يعيد وصل ما انقطع بين الحضارتين العربية والصينية. لذلك أولت دار النشر عناية فائقة في إخراج الكتاب من حيث الطباعة والإخراج الفني، ليكون وثيقة جديرة بأن تُهدى إلى القراء، وإلى الباحثين، وإلى المؤسسات الثقافية في كلا البلدين.
الترجمة بوصفها جسرًا للحضارات
تنبع أهمية ترجمة "رحلة ابن بطوطة" إلى الصينية من كونها ليست مجرّد فعل لغوي، بل مشروع حضاري يهدف إلى توثيق العلاقات التاريخية بين العرب والصين. فالترجمة هنا أداة للتقريب بين العقول، ومفتاح للدبلوماسية الثقافية المعاصرة.
وليس من قبيل المبالغة القول إنّ الترجمة بين اللغتين العربية والصينية تُعدّ حلقة استراتيجية في تعزيز الحوار الحضاري. فالعلاقات العربية–الصينية، الممتدة منذ فجر التاريخ، والتي ازدهرت على طريق الحرير برًّا وبحرًا، قد تعاظم شأنها في القرن الحادي والعشرين، مما يفرض الحاجة إلى توسيع جسور التواصل الأكاديمي والفكري. ومن ثَمّ، فإن ترجمة الأعمال الأدبية والعلمية تمثّل بوابة لفهم الآخر، ومجالًا لتجديد أواصر الصداقة بين الشعوب.
مسار الترجمات الصينية للرحلة
شهد القرن العشرون ثلاث محطات بارزة في ترجمة "رحلة ابن بطوطة" إلى الصينية:
الترجمة الأولى: قام بها البروفيسور تشانغ شينغلانغ عام 1912، وقد ركّز فيها على الأجزاء المتصلة بالصين والهند. وكان لهذه الترجمة أثر رائد، إذ فتحت الباب أمام القارئ الصيني للاطلاع على شهادة حيّة عن تاريخه من منظور رحّالة مغربي.
الترجمة الثانية: أنجزها الأستاذ ما جين بنغ عام 1985، وهو أستاذ في قسم اللغة العربية بجامعة بكين، حيث استفاد من النسخة المصرية المنقحة للكتاب، وأعاد صياغتها بما يتلاءم مع الدراسات الأكاديمية الحديثة.
الترجمة الثالثة: أتمّتها الأستاذة لي قوانغ بن عام 2004، تحت إشراف أكاديمية المملكة المغربية، وبتحقيق العلّامة عبد الهادي التازي، فجاءت ترجمة كاملة عُدّت المرجع الأهم في الأوساط الصينية.
هذه الترجمات لم تكن مجرد جهود فردية، بل مثّلت رموزًا للصداقة الثقافية بين الصين والمغرب، وشواهد على تاريخ طويل من التواصل الفكري.
البعد الدبلوماسي والثقافي للترجمة
أهمية هذه الترجمات تجاوزت حدود المعرفة الأكاديمية لتصل إلى المجال الدبلوماسي؛ فقد أُهدي الملك الراحل الحسن الثاني نسخة من الترجمة الصينية سنة 1987 خلال زيارة رسمية، ووُضعت النسخة في متحف هدايا القصر الملكي نظرًا لقيمتها الاستثنائية. كما أشاد الملك محمد السادس بالترجمة الكاملة التي أُنجزت لاحقًا، مؤكدًا دورها في إحياء الذاكرة التاريخية المشتركة.
ومن ثمّ، فإن الترجمات الصينية لرحلة ابن بطوطة تعدّ مفاتيح استراتيجية لفهم تاريخ العلاقات العربية–الصينية، وإحدى اللبنات الأساسية في بناء جسور الدبلوماسية الثقافية.
الكتاب الجديد: "شجرة نسب العلاقات الصينية–المغربية"
العمل الجديد "رحلة ابن بطوطة في الصين" ليس مجرد كتاب، بل هو بمثابة سجل تاريخي يوثّق لمسيرة العلاقات الصينية–المغربية منذ قرن مضى. فهو يستعرض التحولات التي شهدها البلدان خلال ستة وستين عامًا من العلاقات الدبلوماسية، كما يرسم صورة بديعة للعلاقات الأدبية والثقافية والتعليمية بين الجانبين.
إنه بحق يُمكن وصفه بـ "شجرة نسب العلاقات الصينية–المغربية"، إذ يضم بين دفتيه شهادات شخصيات بارزة أسهمت في ترسيخ الصداقة بين البلدين، ويقدّم سردًا غنيًا بالتفاصيل عن التعاون الفكري والحضاري الممتد.
نحو تعزيز الحوار الحضاري في القرن الحادي والعشرين
لا شك أن العلاقات العربية–الصينية عامة، والمغربية–الصينية خاصة، قد بلغت في القرن الحادي والعشرين منزلة مرموقة. فالعالم اليوم يشهد تنامي الحاجة إلى الحوار والتواصل البنّاء بين الحضارات، لا سيما في ظل التحديات العالمية المشتركة. وفي هذا السياق، تمثّل ترجمة ونشر الكتب مثل "رحلة ابن بطوطة في الصين" وسيلة عملية لتعزيز التفاهم والتقارب بين الشعوب.
إن الاحتفاء بذكرى مرور ستة وستين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين المغرب والصين ليس مجرد حدث بروتوكولي، بل هو تجديد للعهد التاريخي الذي بدأ منذ قرون على طريق الحرير، واستمر عبر الترجمات والتبادلات الثقافية، ليصل اليوم إلى آفاق جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي والعلمي.
الرواية وسرد التاريخ المشترك
لقد أشار الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى أن الرواية خير وسيلة للإعلام الدولي، ومن هذا المنطلق، فإن رواية قصة ابن بطوطة وصدى رحلته في الصين تمثّل إحدى أهم وسائل توثيق الصداقة بين البلدين. فالكتاب الجديد يخرج إلى النور بمثابة شاهد حي على أصالة العلاقة، ورمز من رموز توارث الصداقة جيلًا بعد جيل.
اخيرا: من طريق الحرير إلى طريق المستقبل
إن كتاب "رحلة ابن بطوطة في الصين" ليس مجرد إعادة قراءة لماضٍ بعيد، بل هو مرآة لحاضر مشترك، وبوصلة لمستقبل مأمول. إنه يجمع بين أصالة التاريخ وعمق الثقافة، ليؤكد أن التواصل الحضاري هو السبيل الأسمى لبناء عالم أكثر إنصافًا وتعاونًا.
وكما قال المثل الصيني الذي استشهد به الرئيس شي أمام القادة العرب: الصديق العزيز هو الذي يُتطلّع إليه قبل الزيارة، ويُشتاق إليه بعدها. وهكذا تبقى رحلة ابن بطوطة شاهدًا خالدًا على أنّ الصداقة الحقيقية بين الأمم لا تُقاس بالمسافات الجغرافية، بل تُقاس بعمق القلوب، ورسوخ القيم، وصدق التواصل الإنساني.