السنين مدرسة ، تعطي دروساً تندرج تحت مسمى "التاريخ ". فمن يدركها ويتجنب ما يضره فهو الباني . ومعكوس ذلك هم آخرون على عقولهم غِشاوَه! ذلك ان بناء الدولة والعمران أو هبوطهما ما هو إلاّ حصاد عمل النوعين من البشر .والاردن يجمع اهله السيف والقلم معاً.فرجال السيف هم سواعد أبنائنا الشباب في الجيش ،والآخرون هم اهل القلم من علماء وأدباء ومدراء واهل الفكر والمشرّعون المدنيون والقضاة ..الخ . وإن بناء الدولة واستمراريتها ونمو عمرانها ،هو محصِّلة عمل الفريقين :اهل السيف واهل القلم، كما أسماهم ابن خلدون عالم الاجتماع التونسي، عبد الرحمن ابن خلدون المتوفي عام 1406 م . فأشاد بأهل السيف حماة الديار وسياجه .وذَكَرَ اهل القلم ودورهم المميز والمكمّل للأول . فمهمة أهل السيف الكبرى هي بناء قوة الدولة وعضلاتها وصيانتها حتى تستقر وتستمر ؛ وأهل القلم هم يبنون ويديرون اجهزة الدولة ويغذُّون العقول ويحشدونها في السلم والحرب ، عند الاقتضاء، تحقيقا للهدف ذاته . رحمك الله ياإبن خلدون الذي أبصَر َمبكرا عناصر بناء الدولة وإدامة العمران عند الامم .
وفي سياق ذِكْرِ الشباب من اهل السيف والقلم ،فلقد كرمت عشيرتي الجزازية ، في السلط ، في ديوانها ،قبل اسبوع ، شباب العشيرة ممن نجحوا في الثانوية ، ودُعيت للتحدث اليهم في الحفل الذي جاء مبادرة من "منتدى شباب الأردن الثقافي لعشيرتنا الجزّازيّه" . فتحدثت مع الخريجين من بنات وابناء العشيرة ممن يسكنون في مناطق متعدده مع عشائر أردنية جليلة اخرى ،حضروا من مواقع سكناهم في لواء قصبة السلط في علان والعارضة ودير علا والمصطبة والعالوك و موبص وعين الباشا والبقعة وسلحوب وزي ، ودعم الغزّالات وأم العمد الشمالية وعِيره ويرقا وسوادَهْ والحُمرَه والفحيص وماحص ، ووادي السير والشونه الجنوبية وآخرون ممن يقيمون في مدينة السلط الكبرى وضواحيها . كان لقاء مميزا جامعاً .
ويحضرني هنا كيف "غلب" على فعاليات دواوين العشائر في الأردن لقاءات مبالغ بها من جاهات و أخذ عطوات والتعازي فقط . في حين للدواوين دور أكبر من هذا في صياغة الشباب والمجتمع .لكنني سعدت اكثر بمبادرة الاهل -الجزازية ،إذ كان الحفل في الديوان مناسبة مفرحة شبابية بها نجاح وتواصل لابنائنا أبعد من التقليد الجاري.
• لقد وجدت اللقاء متناغما يجسّد "التجاوب" مع توجيهات جلالة الملك لولي عهده الامير الحسين ، رعاهما المولى، بتفعيل "تجديدي ٍلخدمة العلم" في مملكة السلام- الأردن . فخدمة العلم بنظري هي فرصة تمتين وصيانة وتجذير للمنعة وتمتين النسيج الوطني عند الشباب ،في عصر البرودة والتوحش الدولي، والتوحّد وذوبان القيم المجتمعية الإيجابية وسقوط الأقنعة عن الدول والمؤسسات . أليس جمع الشباب، هو فرصة توجيه وحشد وتواصل لهم مع اخوتهم العسكر ، ومؤونة فكرية ونفسية لمواجهة التحديات في ارض الرباط ؟ فالشباب هم سلاح الوطن وغطاؤه ، ونَفْطُه . وهم والجيش ، سور عظيم حصين مبني على مبادئ الفضيلة والتضحية والعلم واحترام القانون والدستور وتعزيز القواسم المشتركة بين الشباب ،من قيم المحبة والتآلف والتواصل والحشد والوفاء .
لقد تحدثت لشباب العشيرة والضيوف ، في الحفل ،حديثاً أبوياً ولم أكن مُحاضِرا. وإِسْتُهِلَّ الحديث عن " الشباب، عامة" ثم "إطار المدينة"- السلط ، ثم الأردن . واختتمته بتعداد الفرص المعاصرة للتعلُّم في ضوء تطور سوق العمل والمجتمعات.
فكانت الحلقة الاولى- "تخص الشباب" معرِّفا بهم وبالعشيرة وموقعها في خدمة الوطن نائيا بهم عن التعصب والتقوقع وموجها لهم التمسك والاعتزاز بالجذور . فالشجرة قد تسقط اوراقها ،لكن الجذور تبقى مايديم حياتها واستمراريتها . ثم انتقلت إلى مدينة السلط و إرثها . ثم الأردن الوطن وولاتُه ، وتاريخُه وإنجازُه وموقعه بين الامم ،أمس و اليوم ودوره القائم والقادم .ثم انتقلت الى دائرة النُّصْحْ المهني لهم بما يُحصِّن انفس الشباب والامن الاقتصادي والاجتماعي للأردن . فاقترحت عليهم التوجه لميادين دراسية إجتهدت بها وحددتُها لهم ، تُسهِم في صناعة شخصيتهم و مستقبلهم وما طرأ من مهن جديدة في التعليم يحتاجها السوق الداخلي والإقليمي والدولي، ويجعلهم طاقات متجددة متحركة مرنه ، يُقبِلُ على طلبها السوق الدولي والإقليمي ،كما وتنفعهم في رسم وتحصين مستقبلهم . Career planning - تلك النافذة المطلّة على المستقبل والتي مدارسنا بأمس الحاجة اليها . وللحديث تكملة في القسم الثاني القادم من المقالة هذه .بإذن الرحمن. }}