بعد أكثر من خمسين عاما من العطاء العلمي والبيئي، تعزز محطة العلوم البحرية مكانتها كمركز رائد في مراقبة وحماية مياه وخليج العقبة، من خلال توظيف أحدث التقنيات وتحقيق إنجازات حديثة في الرصد البيئي وتحليل البيانات.
وأكد الدكتور محمد الوحشة، مدير المحطة، أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات نوعية، إذ باتت برامج الرصد تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور والبيانات البيئية آليا، ما مكّن الباحثين من رصد صحة الشعاب المرجانية والكائنات البحرية بدقة أعلى، والتنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها، كما تعمل المحطة على مراقبة النفايات البحرية باستخدام تقنيات التعلم الآلي لرصد أنواعها وأنماط انتشارها.
وأضاف الوحشة أن المحطة طورت قدرات تحليلية لدعم قطاع المياه والتحلية، من خلال تقييم خصائص مياه البحر ومحاكاة تأثير محطات التحلية على البيئة البحرية، لتصبح مرجعا رئيسيا في مشاريع الأمن المائي، مؤكدا أن البحث العلمي أصبح جزءا من مسار التنمية الوطنية، إذ تعتمد الجهات الحكومية والقطاع الخاص على نتائج المحطة في دراسات الجدوى لمشاريع البنية التحتية.
ولفت إلى أن المحطة عززت البعد الأكاديمي والتدريبي بعد افتتاح فرع الجامعة الأردنية في العقبة وبدء كلية العلوم الأساسية والبحرية، إذ أصبح الطلبة يمارسون البحث الميداني والعملي في بيئة بحرية حقيقية، مما جعل المحطة جسرا ناقلا بين التعليم الجامعي والبحث التطبيقي، كما وسعت دائرة الشراكات الاستراتيجية مع مؤسسات وطنية وإقليمية في مجالات الطاقة المتجددة والتحلية المستدامة والاستشعار عن بعد، ما منحها مكانة إقليمية كمركز خبرة معتمد، وأن هذه المبادرات تأتي انسجاما مع الرؤية الوطنية الشاملة والارادة الملكية الواعدة لحماية البحر وضمان استدامة موارده للأجيال المقبلة
ورغم الإنجازات، تواجه المحطة تحديات مرتبطة بتمويل برامجها واستدامة كوادرها البحثية والفنية، خصوصا مع التوسع الصناعي والسياحي في العقبة، لهذا وضعت المحطة خططاً مستقبلية تشمل إدخال الذكاء الاصطناعي في المراقبة البيئية، إنشاء بنك للجينات البحرية، وتوسيع برامج تدريب الغواصين البيئيين وفرق الاستجابة للطوارئ، بحسب الوحشة.
وبين أن المحطة منذ تأسيسها، لعبت دور "العين الراصدة" لمياه وخليج العقبة، وتشمل برامجها جمع أكثر من 500 عينة مياه ورسوبيات سنويا من مختلف المواقع، عدا عن مراقبة صحة الشعاب المرجانية والتنوع البيولوجي عبر تسعة برامج متخصصة، وهو ما يُعرف بـ "ذاكرة البحر"، والي غدا اليوم مرجعا وطنيا أساسيا لصانعي القرار في تقييم أثر المشاريع الصناعية والسياحية وحماية البيئة البحرية.
ولفت الوحشة أن المحطة ساهمت في إنجاز أكثر من 200 دراسة تقييم، وتقديم خدمات استشارية لقطاعات استراتيجية مثل الفوسفات والبوتاس والميناء الصناعي والفنادق، مؤكدة أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تنفصل عن حماية البحر.
وأظهرت أبحاث المحطة الأخيرة قدرة شعاب خليج العقبة على التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة، ما جعل المجتمع العلمي يصف الخليج بأنه "الملاذ الأخير للشعاب المرجانية"، ومنح الأردن موقع قوة في المحافل البيئية الدولية. كما شاركت المحطة في أكثر من 40 مشروعا إقليميا ودوليا، وحصلت مختبراتها على الاعتماد الدولي " ISO/IEC 17025:2017"، لتصبح نتائجها المخبرية معترفا بها عالميا.
وعن دورها في التعليم والتدريب أشار الوحشة أن للمحطة دورا تعليميا بارزا منذ تأسيسها، إذ احتضنت عشرات الطلبة والباحثين من الأردن والعالم، ووفرت لهم التدريب العملي في مختبراتها، ليصبح كثير منهم أساتذة وباحثين في مجالات البيئة والعلوم البحرية، مما يجعل المحطة مدرسة للأجيال وليست مجرد مؤسسة أكاديمية.
ويشار أن محطة العلوم البحرية تأسست عام 1974 كمشروع وطني مشترك بين الجامعة الأردنية وجامعة اليرموك، بهدف بناء مرجع وطني متخصص في علوم البحار والبيئة الساحلية يجمع بين البحث العلمي وخدمة المجتمع.
وأكد الدكتور الوحشة أن المحطة، بعد خمسين عاما من العمل المستمر، ما زالت تؤكد رسالتها:"البحر مسؤولية مشتركة، والمحطة ستبقى الحارس الأمين لخليج العقبة وموارده عبر الأجيال".