قد يبدو للوهلة الأولى أن التوقف عن الرياضة يؤثر فقط على أجسامنا، لكن الحقيقة أن الأمر يتجاوز ذلك بكثير، فالنشاط البدني لا يقتصر على تقوية العضلات أو تحسين اللياقة، بل يمتد تأثيره المباشر إلى الدماغ وقدرته على البقاء شابًا وفعالًا.
بحسب مجموعة من علماء الأعصاب في جامعة ميريلاند، فإن التمارين الهوائية تحفّز عمليات أساسية في الدماغ مثل تكوين خلايا عصبية جديدة، وتشكيل أوعية دموية، وحماية مناطق رئيسية مرتبطة بالذاكرة والانتباه والتعلّم. وبذلك، فإن البقاء نشطًا لا يعد مجرد نصيحة للحفاظ على الصحة البدنية، بل هو ركيزة أساسية لحماية صحتنا الإدراكية ومنع التدهور العصبي.
كيف تعزز التمارين الهوائية الدماغ؟
أحد أبرز تأثيرات الرياضة على الدماغ هو توليد الخلايا العصبية الجديدة (Neurogenesis) لتعويض تلك التي تموت يوميًا، ما يحافظ على مرونة الدماغ وقدرته على التذكّر والتعلّم والتكيّف مع عادات وبيئات جديدة. كما تساهم التمارين في تكوين خلايا دبقية داعمة للنيورونات، مما يحسّن طريقة معالجة المعلومات.
ويرتبط هذا التأثير بزيادة تدفق الدم إلى الدماغ. فقد أظهرت أبحاث من جامعة أيوا أن النشاط البدني يعزز عملية تكوّن الأوعية الدموية (Angiogenesis)، مما يرفع إمداد الأوكسجين والمواد المغذية إلى مناطق الدماغ المختلفة. وبما أن الدماغ من أكثر الأعضاء استهلاكًا للأوكسجين، فإن هذه الزيادة في تدفق الدم تعني أداءً معرفيًا أفضل، وزيادة في التركيز واليقظة الذهنية.
ماذا يحدث عند التوقف؟
الفوائد التي يمنحها النشاط البدني للدماغ لا تقتصر على فترة التمرين فقط، بل تمتد لترافقنا طوال اليوم بفضل تدفق الدماغ المتزايد. لكن هذا الأثر ليس دائمًا. إذ تشير دراسات أُجريت على رياضيين مارسوا التمرين بانتظام لأكثر من 15 عامًا إلى أنه بعد 10 أيام فقط من التوقف ينخفض تدفق الدم في ما يصل إلى ثماني مناطق دماغية، وفقًا لموقع "Solidaridad Intergeneracional".
وكان من بين أكثر المناطق تأثرًا: تلك المرتبطة بالذاكرة الدلالية والتعرف على الوجوه والأشياء، والفص الجداري السفلي الذي يساعد على تفسير المعلومات الحسية ورصد الانفعالات في الوجوه، والتلفيف المغزلي المسؤول عن تمييز الكلمات والوجوه، والأخطر من ذلك الحُصين (Hippocampus) الذي يعد أساسيًا للذاكرة ويُعتبر من أكثر البُنى عرضة للتدهور في أمراض تنكسية مثل الزهايمر.
وتؤكد هذه النتائج أن حتى فترات قصيرة من السلوك الخامل قد تؤدي إلى تراجع مباشر في نشاط الدماغ، وهو ما يعزز أهمية الحفاظ على ممارسة منتظمة للنشاط البدني ولو بمستويات معتدلة.