يمثل الوقف أحد أقدم الأدوات التمويلية المستدامة في التاريخ الإسلامي، حيث أسهم في تمويل التعليم والصحة والبنية التحتية وتقديم الخدمات الاجتماعية لعقود طويلة. يقوم مبدأ الوقف على حبس الأصل وتسبيل المنفعة، ما يمنحه صفة الاستدامة التي تتوافق مع مبادئ الاقتصاد الأخضر, بما فيها النمو الأخضر والتوظيف الأخضر وأهدف التنمية المستدامة SDGs.
وفي ظل التحديات البيئية والاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها الأردن، مثل ندرة الموارد، وارتفاع معدلات البطالة، وتزايد الضغوط على الخدمات العامة والبنية التحية، لا يزال الوقف بعيداً عن المساهمة الفاعلة في دعم جهود الدولة في تقديم الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة، وفي خدمة المجتمعات المحلية ، وإيجاد فرص العمل بالإضافة إلى إيجاد الفرص الإستثمارية التي تدعم الإقتصاد الوطني.
وبينما يلعب الوقف مثلاً في السعودية دوراً هاماً في رؤية 2030 للسعودية ويُعد جزءًا من استراتيجية تمكين القطاع غير الربحي، وداعم مباشر لمستهدفات التنمية المستدامة في التعليم والصحة والإسكان وينظر اليه كمصدر تمويلي واستثماري للقطاع الثالث، حيث تم وضع مستهدفات مباشرة لرفع مساهمته في الناتج المحلي من <1% إلى 5%.، يغيب الوقف بصورة كاملة عن خطة التحديث الإقتصادي 2030 في الأردن.
ومن هنا وإداراك للدور الكبير الذي يمكن للوقف أن يلعبه نجد أن هنالك حاجة ملحة لتسليط الضوء على إمكانيات الوقف، كماوتبرز الحاجة إلى إعادة توظيف الوقف ليكون أداة متكاملة لدعم التحول نحو اقتصاد مستدام وصديق للبيئة، يعزز النمو الاقتصادي ويراعي البعد الاجتماعي والحوكمي.
مفاهيم أساسية :
• الوقف كأداة تنموية : الوقف مؤسسة مالية واجتماعية تهدف إلى تحقيق منفعة عامة عبر استثمار أصول موقوفة وتوجيه ريعها لخدمة المجتمع. تاريخيًا، لعب الوقف دورًا محوريًا في توفير خدمات التعليم، الرعاية الصحية، البنية التحتية، ورعاية الفئات المهمشة.
• الاقتصاد الأخضر: يعرف برنامج الأمم المتحدة للبيئةالاقتصاد الأخضر بأنه الاقتصاد الذي يؤدي إلى تحسين رفاه الإنسان والعدالة الاجتماعية، مع الحد من المخاطر البيئية والندرة الإيكولوجية. ويرتكز على الاستثمار في القطاعات المستدامة مثل الطاقة المتجددة، الإدارة الفعّالة للمياه، والزراعة العضوية.
• اهداف التنمية المستدامة" SDGs " : تعرف الأمم المتحدةأهداف التنمية المستدامة بأنها خطة لتحقيق مستقبل أفضل وأكثر استدامة للجميع. وتتصدى هذه الأهداف والتي يبلغ عددها 17 هدفاً للتحديات العالمية التي يواجهها العالم، والتي يتم العمل على الأهداف بحلول عام 2030.
حيث أن الجهود العالمية تركز حالياً على تحقيق التنمية والتعامل مع التغيير المناخي ودعم النمو في الإقتصاد الأخضر ، نجد أن دمج هذه المعايير في إدارة الوقف يمكن أن يخلق فرصة للنهوض بالوقف في الأردن، كما ويمكنه أن يخلق فرص إستثمارية جديد فيما إذا احسنت إدارته مما يعزز من جاذبيته للمستثمرين والشركاء الدوليين.
الدور الاقتصادي والاجتماعي الممكن للوقف في إطار الاقتصاد الأخضر وأهداف التنمية المستدامة SDGs
1. تمويل المشاريع الخضراء:يمكن للأوقاف الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتوفير عوائد مستدامة وتقليل الانبعاثات.
2. تعزيز الاقتصاد الدائري: دعم مشاريع إعادة التدوير وإدارة النفايات بما يخلق وظائف خضراء ويقلل الأثر البيئي.
3. تمكين المجتمعات: إنشاء صناديق وقفية لدعم ريادة الأعمال الاجتماعية والخضراء ومشاريع الاقتصاد الأخضر للشباب والنساء.
4. تحقيق الأمن الغذائي المستدام: الاستثمار في الزراعة الموفرة للمياه وتقنيات الري الذكي.
التحديات
• غياب إطار تشريعي مُمكن للأوقاف يُسهل ربطهابالمعايير البيئية والإجتماعية والحوكمة ESGsأو يوجهها نحو الاستثمار الأخضر.
• غياب اطار تشريعي يسمح باستغلال الانواع مختلفة من الوقف والادوات الوقفية الإستثمارية الحديثة.
• ضعف الخبرات الفنية في تصميم وإدارة مشاريع وقفية مستدامة بيئيًا.
• غياب الوعي لأهمية الوقف وإمكان استغلاله وتفعيله لخدمة المجتمع ودعم الإقتصاد.
• محدودية أدوات قياس الأثر الاجتماعي والبيئي.
التوصيات
1. تحديث وتطوير التشريعات بحيث يمكن إدارة الأوقاف بإسلوب حديث يدعم الاستثمار في القطاعات الخضراء.
2. إنشاء صناديق وقفية خضراء متخصصة في مشاريع صديقة للبيئة.
3. إطلاق شراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير مشاريع وقفية مستدامة.
4. تدريب الكوادر على إدارة الاستثمارات الوقفية وفق أهدافالتنميةالمستدامةSDGsومعاييرESGs .
5. تطوير مؤشرات أداء لقياس الأثر الاجتماعي والبيئي للأوقاف.
الأدوات الوقفية وآليات تفعيلها لتحقيق الأهداف المنشودة
يمكن للوقف في الأردن أن يستفيد من تنوع أدواته المالية والإدارية لتوجيه الموارد نحو مشروعات ذات أثر اقتصادي واجتماعي وبيئي مستدام. ومن أبرز هذه الأدوات:
1. الأوقاف الاستثمارية
o استثمار أصول الوقف في مشروعات إنتاجية أو خدمية في مجالات مثل الطاقة المتجددة، الزراعة المستدامة، والسياحة البيئية.
o ربط العوائد بتمويل برامج التنمية المحلية.
2. الصكوك الوقفية
o أداة تمويل إسلامية تجمع رؤوس الأموال من الأفراد والمؤسسات للاستثمار في مشاريع ذات بعد اجتماعي وبيئي.
o يمكن إصدار صكوك خضراء وقفية موجهة لمشروعات الطاقة والمياه.
3. الوقف النقدي
o جمع أموال نقدية من المتبرعين واستثمارها في محافظ استثمارية ملتزمة بمعاييرESGs .
o استخدام العوائد لتمويل خدمات الصحة والتعليم أو مشروعات البنية الخضراء.
4. الوقف المؤقت
o تخصيص أصل أو مبلغ مالي لفترة زمنية محددة لخدمة هدف تنموي، مثل تمويل محطة تحلية مياه أو مشروع زراعي مستدام.
5. الوقف المشترك
o شراكة بين القطاع العام والخاص والمجتمع المدني في تأسيس مشاريع وقفية تحقق أهداف التنمية المستدامة.
6. الوقف الابتكاري
o توظيف التكنولوجيا والتحول الرقمي في إدارة الوقف، مثل المنصات الإلكترونية لجمع التمويل، أو تطبيقات قياس الأثر الاجتماعي والبيئي.
الخاتمة
يُظهر دمج الوقف ضمن إطار الاقتصاد الأخضر واهداف ومعايير التنمية المستدامةSDGsإمكانات كبيرة لتعزيز التنمية المستدامة في الأردن ودعماً كبيراً لأهداف برنامج التحديث الإقتصادي. فمن خلال تحديث التشريعات، وتطوير القدرات، وبناء الشراكات، يمكن للأوقاف أن تصبح رافعة قوية للنمو الاقتصادي الأخضر، وأداة فعالة لتحقيق الهدف الرئيسي لبرنامج التحديث الإقتصادي لجعل المستقبل أفضل للأردنيين من خلال تحقيق نمو إقتصادي ورفع جودة الحياة وتحقيق التنمية المستدامة.