في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها تطبيق "سناب شات"، أصبح تصوير اللحظات اليومية ومشاركتها أمرًا عاديًا لدى كثير من النساء بمختلف أعمارهن. غير أن هذا الاستخدام، الذي يبدو بريئًا في ظاهره، بدأ يتجاوز الحدود المقبولة، لا سيما حين يمارس بشكل غير لائق داخل أو خارج أماكن العمل، أو يتضمن حركات وعبارات مستفزة لا تراعي العمر أو المكان أو الخصوصية.
ففي عدد متزايد من المشاهد اليومية، تقوم بعض النساء الناضجات، ممن يفترض أن يكن قدوة في السلوك والانضباط، بتصوير أنفسهن في أماكن العمل، وأحيانًا في أماكن عامة أو خاصة، وهن يتحدثن بأسلوب استعراضي، أو يلتقطن صورًا تتضمن "بوزات" غير مناسبة، مصحوبة بعبارات ساذجة أو لافتة للانتباه. وقد يصل الأمر أحيانًا إلى تصوير زميلات العمل أو مواقف مهنية دون إذن مسبق، ما يعد انتهاكًا للخصوصية وسلوكًا غير احترافي.
ولا يقتصر الأمر على الفئة الناضجة فقط، بل يمتد إلى الفتيات الصغيرات اللواتي أصبحن يوثقن تفاصيل يومهن كافة عبر "سناب شات"، بدءًا من الاستيقاظ وحتى النوم، مع مشاركة صور ومقاطع من أماكن تواجدهن، في استعراضات لا تراعي الخصوصية أو الأمن الشخصي. ومع غياب التوجيه والوعي، قد تجد بعضهن أنفسهن في مواقف لا تحمد عقباها، سواء بسبب التنمر، أو سرقة الصور، أو الوقوع ضحايا للابتزاز الإلكتروني.
وفي هذا السياق، يرى أخصائي علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي أن السبب الرئيس وراء مثل هذه السلوكيات يتمثل في غياب الوعي الكامل بالمخاطر الناجمة عنها، إلى جانب الافتراض الدائم لحسن النية عند التواصل مع الآخرين، وهو أمر يحمل مخاطر جمة. ويشير الخزاعي إلى أن غياب توجيه الأبناء، خاصة الأطفال والمراهقين، حول كيفية استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وخطورة مشاركة المعلومات أو الصور الشخصية، يعد من أبرز المشكلات. كما يلفت إلى أن كثرة عدد الأصدقاء، وقبول طلبات الصداقة العشوائية، ومنح الأبناء حرية الاستخدام دون متابعة أو رقابة أسرية، كلها عوامل تزيد من احتمالية وقوعهم في سلوكيات سلبية.
هذا الاستخدام المفرط وغير المنضبط للتصوير يعكس مشكلة أعمق تتعلق بغياب الحدود بين الحياة الخاصة والعامة، وبين المسموح والمرفوض اجتماعيًا وأخلاقيًا. فبدلًا من أن تكون وسائل التواصل وسيلة للتعبير الراقي والتواصل المفيد، أصبحت لدى البعض منصة للظهور الزائف والسعي وراء الاهتمام، ولو على حساب الاحترام والمكانة الشخصية.
ولا تتوقف الخطورة عند الأثر الاجتماعي فقط، بل تمتد إلى المساس بالكرامة والموقع المهني. فعندما تظهر امرأة ناضجة تصرفات طفولية أو صورًا استعراضية لا تليق بعمرها، فإنها تفقد تدريجيًا الهيبة التي يفترض أن تحافظ عليها. وحين تنشر فتاة صغيرة صورًا دون إدراك للمخاطر، فإنها تفتح بابًا لانتهاكات يصعب السيطرة عليها لاحقًا.
المطلوب اليوم ليس منع استخدام التقنية، بل ترسيخ ثقافة المسؤولية الرقمية التي تبدأ من المنزل وتشمل المؤسسات التعليمية والمهنية. فمن الضروري أن توضع قوانين واضحة في أماكن العمل تمنع التصوير غير المصرح به، وأن تقوم الأسر بدورها في تعليم الفتيات والأبناء عمومًا خصوصية الصورة وحدود التصرف أمام الكاميرا. فليس كل لحظة تعاش تستحق أن تنشر، وليس كل ما يضحك في اللحظة يقبل لاحقًا حين يرى خارج السياق.
وسائل التواصل الاجتماعي مرآة للسلوك، واستخدامها مسؤولية تتطلب وعيًا ذاتيًا واحترامًا للذات والآخرين. وبين من يستخدمها للتأثير الإيجابي، ومن ينجرف خلف وهم الشهرة اللحظية، يبقى الفرق كبيرًا، تصنعه التربية، والثقافة، والنضج.