اكد الدكتور أستاذ جيولوجيا وجيوفيزياء المياه والبيئة في جامعة الحسين بن طلال الدكتور محمد الفرجات ان المملكة تشهد هذه الأيام حالة من المناخ شديدة التعقيد، تتسم بارتفاع قياسي في درجات الحرارة مصحوب بظاهرة القبة الحرارية، فضلاً عن غبار كثيف وهطولات مطرية محلية مفاجئة. لفهم هذه الظاهرة بشكل أفضل، من المهم التطرق إلى مفهوم القبة الحرارية وأسبابها وعلاقتها بتغير المناخ العالمي.
واشار الفرجات ان القبة الحرارية ظاهرة جوية تحدث عندما تتجمع كتلة من الهواء الحار والساكن فوق منطقة جغرافية معينة، مما يمنع الهواء البارد والأقل حرارة من الارتفاع والتبريد. يؤدي هذا إلى حبس الحرارة بالقرب من سطح الأرض، وبالتالي ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة. في حالة الأردن، تمثل القبة الحرارية التي نعيشها حالياً امتداداً لكتلة هوائية حارة قادمة من شبه الجزيرة العربية، مدعومة بتيارات جوية مستقرة وارتفاع في الضغط الجوي.
وبين الفرجات ان ما يزيد تعقيد الظاهرة هو التغير المناخي العالمي، الذي يتسبب في زيادة تكرار وقوة مثل هذه الظواهر. ارتفاع درجات الحرارة العالمية يؤدي إلى تغير في أنماط الرياح، وتقلبات في الضغط الجوي، وزيادة في تواتر موجات الحر، مما يعزز من فرص تشكل القباب الحرارية لفترات أطول وأكثر حدة. كما أن ارتفاع الحرارة يسرع تبخر المياه، مما يساهم في تفاقم نقص المياه ويزيد من نسبة الغبار المنتشر في الهواء نتيجة للجفاف والتصحر.
"الواقع المناخي الحالي بالأرقام"
وذكر الفرجات ان موجة الحرّ ستستمر حتى 14 آب نتيجة امتداد "قبة حرارية" من شبه الجزيرة العربية، حيث تتراوح درجات الحرارة ما بين 6 إلى 7 درجات مئوية فوق المعدل الموسمي.
واضاف الفرجات ان ذروة درجات الحرارة تصل إلى 41 °C في عمان السبت، وتستمر بالأعلى خلال الأسبوع، لا سيما في البحر الميت ووادي الأردن والعقبة التي تسجل ما معدله 45 °C.
"الآثار المحتملة "الصحة العامة
يتوقع ان ينتج عن هذه الموجة الحارة الضغط الحراري القصير ما يزيد احتمال الإصابة بالجلطات، الإجهاد الحراري، وحروق الشمس. تفاعل الغبار مع الحرارة يفاقم مشاكل الجهاز التنفسي، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن والحوامل و البيئة والزراعة
كما تتأثر النباتات والحيوانات الصحراوية في مواجهة ضغط حراري مرتفع، مما يهدد التنوع البيولوجي وإنتاجية المحاصيل الزراعية و الماء والطاقة.
وبالتالي تراجع توافر المياه بسبب التبخر السريع، في بلد يعاني أساسًا من ندرة مائية، و ارتفاع الاستهلاك الكهربائي اللازم لتبريد المنازل والمباني، مما يرهق الشبكة ويزيد من خطر الانقطاعات، ويزيد الكلف على الأسر. والاقتصاد والمجتمع.
اضافة الى تراجع النشاط السياحي والعمالي، وفي المقابل ضغط على الخدمات الصحية وخدمات الطوارئ. احتمال تزايد تأثير الضغط النفسي والإرهاق المجتمعي بفعل كل هذه الضغوط المناخية.
ودعا الفرجات الى رفع الوعي الصحي الطارئ من خلال حملات إعلامية ونشرات توعوية باللغات المحلية عبر المنصات الرقمية والتلفاز والراديو، تشمل نصائح مثل شرب الماء بانتظام، تجنّب الشمس أيام الذروة (من 11 صباحًا حتى 4 عصرًا)، واستخدام الكمامات ضد الغبار.
وتجهيز بنية تحتية للمناطق شديدة التعرض والتأثر عبر تجهيز "واحات تبريد" عامة في الأحياء والمراكز التجارية، مزودة بأنظمة تبريد موفّرة ومظلّلات عامة لتقليل الضغط على الطاقة المنزلية.
واستثمار في الطاقة الشمسية بدعم أنظمة التكييف الشمسية في المدارس والمستشفيات لتحمّل الموجات الحارّة وتخفيف الضغط عن الشبكة القومية.
وإدارة ذكية للمياه من خلال تنفيذ مشاريع حصاد مياه الأمطار، واستخدام التقنيات الزراعية المتقدّمة مثل الري بالتنقيط لتقليل الفاقد وزيادة الإنتاجية.
وترسيخ البحث العلمي ومراقبة الطقس بتأسيس مرصد وطني للتغير المناخي ليزوّد الجهات المعنية بخطط تأهب مبنيّة على بيانات دقيقة لكل مظاهر وأعراض التغير المناخي وتبعاتها كالهجرة المناخية الداخلية، الكوارث الطبيعية، الجفاف، تحديات الأمن الغذائي، التحديات الاقتصادية، تحديات على الصحة العامة.
وأكد ان الأردن لا يواجه فقط موجة حر تحت قوة مناخية خارجة عن المعتاد، بل يواجه معتركًا من الحر، الغبار، والمطر المفاجئ. والاستجابة لا تكون فقط بالمعايير التقليدية بل بالخطط المستدامة والذكية والتعاون المجتمعي والمؤسسي والدولي. أرى في هذه التحديات فرصة للأردن أن يُصبح نموذجًا إقليميًا في التكيّف مع التغير المناخي.