طالبة تعاني من ورم في العظم، حضرت جميع الامتحانات على كرسي متحرك، وتفوقت بمعدل 91%. وطالب من غزة، رغم خضوعه لعلاج مكثف على مدار العام، أصر على مواصلة دراسته وحصل على معدل 87%.
قصتان من بين 49 قصة نجاح لمرضى السرطان الذين اجتازوا هذا العام امتحان الثانوية العامة، بينهم 4 طلاب حققوا معدلات تفوق الـ90%، و5 آخرون تجاوزوا حاجز الـ80%، لتصبح هذه النتائج شاهدا على إرادة لا تهزمها التحديات، وأملا يتجدد رغم المرض.
في هذا السياق، تقول المديرة العام لمؤسسة الحسين للسرطان، نسرين قطامش، إن نجاح 49 مريضا بالسرطان في امتحان التوجيهي لهذا العام يحمل في طياته معاني عميقة تتجاوز فكرة النجاح الأكاديمي المعتاد.
وتضيف في تصريح خاص لـ"الرأي": "نحن ننظر إليه على أنه 49 قصة إنسانية تجسد الإصرار والعزيمة والحق في الحياة الكريمة رغم المرض. كل طالب من هؤلاء هو بطل في رحلة خاصة، واجه خلالها تحديات صحية ونفسية واجتماعية معقدة، لكنه أصر على مواصلة تعليمه كجزء لا يتجزأ من حياته، لا كأمر مؤجل بسبب المرض".
وتتابع: "في مؤسسة ومركز الحسين للسرطان، نؤمن أن التعليم ليس فقط وسيلة للمعرفة، بل أداة حقيقية للدعم النفسي ورسالة أمل نوجهها لكل مريض. ولهذا، فإن نجاح هؤلاء الطلبة هو انعكاس لرسالتنا المؤسسية في توفير رعاية شاملة تضع الإنسان، بمختلف جوانب حياته، في صميم اهتمامنا".
وعن تقييمها لأداء الطلبة مقارنة بالأعوام السابقة، تجيب قطامش: "ما نلمسه اليوم هو تطور ملحوظ، ليس فقط من حيث الأعداد، بل في نوعية الأداء أيضا، إذ نحن نشهد ارتفاعا تدريجيا في نسب النجاح والتفوق مقارنة بالسنوات الماضية، وهو ما نعتبره مؤشرا إيجابيا على فعالية الدعم الذي نقدمه من خلال برامجنا المتخصصة".
وتكمل: "هذه النتائج تعكس نجاح شراكتنا الممتدة مع الجهات التعليمية، والجهود المتكاملة داخل المركز لتوفير بيئة تعليمية صحية وآمنة لطلبتنا المرضى". مشيرة هنا إلى برنامج "العودة إلى المدرسة"، الذي أُطلق قبل أكثر من 15 عاماً، وتبين أنه "أصبح جزءا أصيلا من منظومة الرعاية المتكاملة، وساهم بشكل فعال في إعادة صياغة تجربة الطفل المريض، ليشعر بأنه قادر على التعلم والإنجاز مهما كانت حالته الصحية".
وحول آلية التنسيق مع وزارة التربية والتعليم لعقد الامتحانات داخل المركز، توضح قطامش: "التنسيق مع الوزارة يعد إحدى الركائز الأساسية لتمكين طلبتنا من استكمال تعليمهم، خاصة في المراحل المفصلية مثل التوجيهي".
وتضيف: "خلال هذه الدورة، تقدم 33 طالبا من الصف الثاني عشر و15 طالبا من الصف الحادي عشر للامتحانات، وحرصنا على أن تُعقد جميعها داخل المركز وفق أعلى المعايير الصحية والتعليمية. يبدأ التنسيق عادة قبل موعد الامتحانات بشهر على الأقل، بالتعاون مع إدارة الامتحانات في الوزارة".
وتتابع: "حيث نزودهم بقوائم الطلبة، ونعد الجداول، ونعمل على تجهيز القاعات بما يتناسب مع احتياجاتهم. هذا التعاون البناء يعكس إيمانا مشتركا بأن التحديات الصحية لا يجب أن تكون عائقا أمام التعليم، بل حافزا لتكييف الأنظمة بشكل يراعي حق الطلبة المرضى في بيئة تعليمية عادلة ومهيّأة".
وعن الرسالة التي يوجهها هذا الإنجاز للمرضى الجدد وعائلاتهم، تقول قطامش: "هذه الدفعة من الطلبة تحمل رسالة قوية وملهمة: ان التحدي لا يعني التراجع، وأن المرض لا يلغي الطموح. لكل طفل جديد يدخل مركز الحسين، ولكل عائلة تعيش القلق على مستقبل ابنها، نقول: هناك من يسير معكم خطوة بخطوة، وهناك منظومة كاملة تؤمن بقدرة الطفل على النجاح مهما كانت الظروف".
وتشدد على "نجاح هؤلاء الطلبة ليس فقط إنجازا فرديا، بل دليل على أن الأمل، عندما يقترن بالعلم والدعم الإنساني، يمكنه أن يحدث فرقا حقيقيا. رسالتنا من خلال برنامج "العودة إلى المدرسة" واضحة: رحلة العلاج لا يجب أن توقف رحلة التعلم، بل يجب أن تسير معها جنبا إلى جنب، بكل إصرار وكرامة".
"الدعم النفسي والأكاديمي والاجتماعي"
من جانبه، يذكر رئيس فريق الدعم النفسي في المركز، الدكتور عمر شامية، أبرز أشكال الدعم الأكاديمي والنفسي التي وفرها المركز لطلبة التوجيهي خلال فترة العلاج، قائلا: "الرعاية التي نقدمها في المركز تتجاوز الحدود الطبية التقليدية، إذ نعمل ضمن منظومة متكاملة تشمل الجوانب الأكاديمية والنفسية والاجتماعية، ونعمل بروح الفريق بين الكوادر الطبية والتعليمية والنفسية والاجتماعية".
ويتابع في تصريح خاص لـ"الرأي" أنه من خلال برنامج "العودة إلى المدرسة"، يتم تزويد الطلبة المرضى بأجهزة إلكترونية وحسابات تعليمية، إضافة إلى دروس يومية بإشراف معلمين متخصصين يتابعون مستوى الطالب وظروفه الصحية".
ويكمل: "كما نوفر قاعات امتحان مخصصة داخل المركز، مجهزة لتراعي متطلباتهم الجسدية والنفسية، ما يساهم في تخفيف الضغوط عنهم وضمان بيئة مناسبة للاختبار. هذه المنظومة ترسل رسالة واضحة تتمثل بأن التعليم حق أصيل لا يجب أن يتأثر بظروف المرض، وأن الطفل المريض ليس خارج السياق التعليمي، بل شريك في المستقبل".
وحول أبرز التحديات التي يواجهها الطلبة المرضى خلال مسيرتهم التعليمية، يشرح الدكتور شامية: "الطلبة المرضى يواجهون تحديات مضاعفة، تبدأ من التأثيرات الجسدية للعلاج، ولا تنتهي عند الأثر النفسي المصاحب لرحلة العلاج، فضلا عن التغيب المتكرر عن المدرسة، وتغير مستوى التركيز، والقلق من الامتحانات، كلها عوامل قد تؤثر على تجربة الطالب".
ويتابع: "لكن بفضل الدعم النفسي والاجتماعي الذي نقدمه داخل المركز، والتعاون الوثيق مع أولياء الأمور والمعلمين، ننجح غالبا في احتواء هذه التحديات. نحن نعمل على تقليل الفجوة بين الطالب المريض وزملائه في المدرسة، سواء عبر الدروس الفردية أو المتابعة المستمرة، لنضمن له استمرارية تعليمية وشعورًا بالانتماء".
ويذكر الصعوبات اللوجستية والصحية في توفير بيئة امتحانية ملائمة داخل المركز: "بالتأكيد، توفير بيئة امتحانية مناسبة داخل مركز علاجي يتطلب تنسيقا دقيقا وجهدا خاصا. نحرص على الالتزام التام بإجراءات الوقاية والتعقيم، وتجهيز القاعات بما يتوافق مع كل حالة صحية، بما في ذلك الحالات التي تتطلب العزل أو ظروفاً صحية دقيقة".
ويكمل: "نعمل بالتعاون مع الكوادر الطبية على متابعة حالة كل طالب قبل الامتحان، للتأكد من جاهزيته الصحية، كما نوفر الدعم النفسي في حال ظهور أية مؤشرات للقلق أو التوتر. هدفنا أن يشعر الطالب بأنه يتقدم للامتحان في بيئة تمكنه ولا تثقله، وأن التعليم بالنسبة له لا يتعارض مع العلاج، بل يتكامل معه".
وعودة إلى قصة البطلين الذين تم ذكر قصتيهما في البداية، يختتم الدكتور شامية حديثه :"إن القصص كثيرة، لكن بعض المشاهد تبقى محفورة في الذاكرة"، مشددا على أن "هذه القصص ليست فقط شهادات على النجاح، بل على الشجاعة، والقدرة على تخطي كل ما هو متوقع، وهي تجسيد حي لمعنى "العودة إلى المدرسة" كمسار حياة، وليس فقط كبرنامج مؤسسي".