فور إبلاغي بموعد الإنزال الجوي الذي نفذ صباح يوم الاثنين، بالتعاون مع طائرات سلاح الجو الملكي، اجتاحتني مشاعر متباينة امتزج فيها الحماس بالرهبة، لكن شعورًا حتميًا بالطمأنينة غلب كل ذلك، إذ كنت على يقين تام بأنني في عهدة أيادٍ أمينة لا تدخر جهدًا في الحفاظ على سلامة الجميع.
المشاعر المتداخلة تختلج في صدور كل من يشاهد طائرات سلاح الجو الملكي الأردني تقلع من قواعدها، محمّلة برسائل حياة لأهالي قطاع غزة، الذين يرزحون تحت حصار خانق وظروف إنسانية كارثية في ظل استمرار العدوان وحرمانهم من أبسط مقوّمات البقاء.
الطلعات الجوية التي تنفذها القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي، ليست مجرد تحليق في السماء، بل هي امتداد لموقف إنساني ثابت، ينطلق من مسؤولية أخلاقية أردنية تجاه الأشقاء في القطاع.
فالطائرات الأردنية ترسل رسائل إنسانية مجنحة، تحمل توقيع الأردن قيادةً وشعبًا.
وفي كل رحلة، تخترق الطائرات سماءً ملغمة بالخطر، لتسقط أطنانًا من المواد الغذائية أو الطبية عبر مظلات دقيقة، لتصل المساعدات إلى من هم بأمس الحاجة إليها.
وتتم هذه الجهود بتنسيق عالٍ بين الجيش الأردني والهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية، التي تتابع باهتمام دقيق تنفيذ عمليات الإغاثة، وتسعى لتوجيهها نحو الفئات الأكثر تضررًا، في وقت يواجه فيه الفلسطينيون في غزة مجاعة حقيقية وانهيارًا تامًا في المنظومة الخدمية.
الإنزال الجوي مشاهد تختزل الحكاية: طيارون عيونهم على الهدف، وقلوبهم في غزة، وجنود يؤمنون أن الدفاع لا يكون بالسلاح فقط، بل أيضًا بمد يد العون لمن حاصرتهم آلة الحرب.
هي لحظات تفيض بالاعتزاز بأداء الواجب الإنساني، فالرهبة من المشهد على الأرض تمنح القوة والإيمان بأن ما يقدم اليوم قد ينقذ غدًا حياة طفل، أو مسن، أو جريح ينتظر جرعة دواء.
الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، لم يتوقف عن أداء دوره، استشعارًا لعمق الأزمة وأثرها على الأهالي في غزة الذين باتوا في مهب عواصف الجوع والعوز والفقد.
غير أن الموقف الرسمي والشعبي يسير على خطى موحدة وراسخة في دعم الأشقاء الفلسطينيين، وتمكينهم من الصمود أمام الحصار والقتل الممنهج.
ورغم كل الجهود الميدانية المكثفة والمواقف الثابتة، لم يخل المشهد من أصوات مشككة تقلل من حجم الدور الأردني في دعم غزة، متناسيةً أن ما ينفذ على الأرض هو فعل، لا شعارات، وأن صوت الطائرات المحلقة بالمساعدات أصدق من كل حملات التشكيك، وخلفه عمل جبار وجهود حثيثة تبذل بصمت وإصرار وعزيمة، دون طلب شكر أو ثناء.
ففي كل إقلاع، ليست هناك فقط مهمة إغاثية، بل قصة وطن يرفض أن يغض الطرف، وجيش يحلق ليس من أجل القتال، بل من أجل الحياة.