في رسالة بعثها لي الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة ووزير الاستثمار الأسبق في مصر، لمقطع من مقابلة تلفزيونية معه على قناة " MBC مصر"، حيث عبر الدكتور محيي الدين في شهادته الدولية للأردن عن إعجابه الشديد بتجربته الشخصية في مطار الملكة علياء الدولي. وقد وصف ما شهده من خدمات في المطار بأنها تفوقت على نظيراتها في العديد من المطارات الأوروبية، من حيث السرعة والنظافة وسلاسة الإجراءات، رغم الازدحام. وأكد قائلاً: "منذ هبوط الطائرة حتى خروجي، لم يستغرق الأمر 20 دقيقة تقريبًا... تجربة ميسّرة للغاية، ما وجدته من يسر وعناية ونظافة لا أجده في مطارات أوروبية كثيرة."
هذه الإشادة ليست مجرد انطباع فردي، انما شهادة دولية محورية تحمل في طيّاتها رسائل مهمة، تؤكد كفاءة المشروع، ونضج نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتُسلّط الضوء على البيئة الاستثمارية المتكاملة التي تم تحقيقها من خلال نهج تشاركي مدروس.
اللافت في حديث الدكتور محيي الدين هو تأكيده على أهمية إشراك القطاع الخاص منذ المراحل الأولى للتخطيط، وليس فقط في التنفيذ. وقد أوضح ذلك بقوله: "البداية بالمشاركة أفضل من إنشاء المرفق ثم البحث عن شريك"، في إشارة واضحة إلى ما توفره هذه المقاربة من فرص لجذب الاستثمارات وتقليل الاعتماد على التمويل عبر القروض، مع ضمان جودة المخرجات، واستمرار الدولة في دورها التنظيمي والرقابي.
يمتاز هذا الطرح بتوافقه مع رؤية التحديث الاقتصادي، التي تبنّت منذ البداية فلسفة اشراك القطاع الخاص كمدخل لتعزيز الاستثمار، وهو ما نشهده اليوم في تكرار النماذج الناجحة في قطاعات أخرى، ومنها توقيع اتفاقية شراكة بين الحكومة الأردنية وشركة "كي بي دبليو" للاستثمار لإنشاء مستشفى حكومي جديد في محافظة مادبا، ناهيك عن عرض الرؤية لحجم الاستثمار المطلوب من القطاع الخاص والعمل على تحديد الفرص والمشاريع الاستراتيجية.
التجربة الأردنية في إدارة وتشغيل مطار الملكة علياء تمثل حالة ناضجة تتشابك فيها الرؤية والسياسات والتشريعات والمؤسسات في إطار يفضي إلى صورة ذهنية إيجابية عن الاستثمار في الأردن. هذه الصورة لا تقتصر على البنية التحتية أو كفاءة التشغيل، بل تنعكس في تفاصيل دقيقة تُشكّل قناعات المستثمرين، كما أوضح الدكتور محيي الدين: "عشرون دقيقة فقط بين هبوط الطائرة ومغادرة المطار رغم الازدحام.
إن هذه الصورة تترجم عبر رؤية التحديث الاقتصادي في التطلعات لتعزيز تجربة المستثمر، وضمان حقوقه، وتقديم بيئة مستقرة تحميها سيادة القانون. وقد لا يشعر المواطن الأردني يوميا بأهمية هذه التفاصيل، إلا أن المستثمر الأجنبي يقرأها ويحللها بدقة باعتبارها إشارات ثقة في مناخ الأعمال.
ان نجاح الصورة وفعالية التجربة يعطيان المملكة مجالاً للتنافس الدولي والاقليمي على جذب الاستثمار لمشاريع ناجحة، الا ان النظر في فرص المستقبل هو من يعطي الاستثمار مشهدا ديناميكياً، وهو ما نشهده في الرؤية الملكية المستقبلية للاستثمار التي لا تكتفي بجذب الاستثمار، بل تسعى لبناء ديناميكية جديدة للاستثمار بالفرص المستقبلية خصوصا في قطاع التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، وهو ما أكده سمو ولي العهد خلال لقاءات متابعة تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، مشددًا على أهمية تعزيز الشراكة الفاعلة في قطاع التكنولوجيا، والعمل على إطلاق مبادرات المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل.
ان نجاح تجربة مطار الملكة علياء لا يجب أن يُنظر إليه فقط كنموذج ناجح في التشغيل أو الإدارة، بل كرسالة شاملة تحمل ثلاثة أبعاد متكاملة: صورة مشرقة للاستثمار، وفعالية حقيقية للشراكة، ورؤية مفتوحة على مستقبل الفرص.
الدول الجاذبة للاستثمار ليست تلك التي تُقدّم الحوافز فقط، بل التي تصنع الثقة وتحترم العقود وتُؤسس لشراكات مستدامة. ومن خلال هذه التجربة، يضع الاستثمار قدمه على طريق التنافس الإقليمي والدولي، ويؤكد أن البيئة الاستثمارية لا تُقاس فقط بالمؤشرات، بل بديناميكية الصورة، والتجربة، واجتذاب فرص المستقبل.