تتجلى في مشاركة الأردن في مؤتمر حل الدولتين بنيويورك لحظة فاصلة لا تقتصر أهميتها على القضية الفلسطينية وحدها، بل تتعداها إلى قلب التحولات الإقليمية والدولية الكبرى. الأردن، الذي طالما حمل شعلة الثبات والحق في مواجهة تيارات التبدل والتقلب، يكرر اليوم موقفه الثابت الراسخ كركيزة لا غنى عنها في معادلات السلام العادل، رغم ما تعرّض له من محاولات مستمرة لاستهداف مواقفه وإضعاف هويته السياسية. إن هذا المؤتمر، الذي احتضن حضورًا دوليًا واسعًا وتوافقًا واضحًا حول ضرورة حل الدولتين، يفتح آفاقًا واسعة على دروب تحول جذرية في موازين السياسة والقرار المتعلق بالقضية الفلسطينية، ما يفرض قراءة فاحصة ومنظورًا استراتيجيًا عميقًا.
ولا يمكن فَصل هذه الثبات الأردني عن تجربة مريرة وممتدة عبر عقود من الزمن، حيث واجه محاولات متكررة لتقويض دوره وإضعاف مكانته في الساحة الإقليمية والدولية، غير أنه بفضل حكمة قيادته ورؤية شعبه الصلبة، ظل صامدًا لا يلين، محافظًا على مواقفه القانونية والدبلوماسية التي تستند إلى قناعات راسخة ومصالح وطنية واضحة. فهذا الثبات لم ينبثق من مجرد تمسك نظري، بل من وعي واقعي مدرك تمامًا أن استقرار المنطقة وأمن الأردن مرتبطان بشكل لا ينفصم بحل عادل وشامل يُنهي معاناة الشعب الفلسطيني. وتعلم الأردن عبر تجاربه المتعددة أن التنازل عن هذه الثوابت يمثل التفريط بأمنه السياسي والاقتصادي، وأن تهميش القضية الفلسطينية يُمهد لصراعات وأزمات لا تُحتمل.
وفي ضوء هذا الواقع، يبرز المؤتمر بوصفه محطة أساسية ستسهم بلا شك في تعزيز الاعتراف الدولي المتنامي بالدولة الفلسطينية، لا سيما في ظل المؤشرات الدالة على نوايا بعض الدول الأوروبية، ومنها فرنسا، التي تعتزم إعلان اعترافها الرسمي خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذا الاعتراف لا يشكل مجرد رمزية باردة، بل حجر أساس لخطوات سياسية ودبلوماسية متسارعة قد تعيد بعث المسار الدولي للسلام على أسس ثابتة وواضحة، مستمدة من القانون الدولي والشرعية المعترف بها عالميًا.
إلى جانب ذلك، يتوقع أن يتحول النقاش داخل المؤتمر إلى بحث معمق في آليات دعم دولة فلسطينية حقيقية قابلة للحياة، قادرة على فرض سيادتها وضمان أمنها، وتهيئة مقومات التنمية الاقتصادية الضرورية لنهضتها. وهو تحول جوهري في الخطاب الدولي، من مجرد شعارات إلى إجراءات فعلية ترتكز على بناء مؤسسات متينة وتعزيز بنية تحتية متكاملة. وفي هذا السياق، يجد الأردن نفسه شريكًا رئيسيًا لا غنى عنه، لما يملكه من خبرة متراكمة في إدارة تحديات التنمية والاستقرار الأمني ضمن بيئة مليئة بالتقلبات.
وعلى الصعيد نفسه، يحمل المؤتمر رسالة ضمنية واضحة إلى كل من يحاول استنزاف القضية الفلسطينية أو تهميشها، مفادها أن المجتمع الدولي لا يزال يدعم الحق والعدالة، وأن الأردن سيظل صوتًا موحدًا قويًا لا ينكسر في الدفاع عن هذه الحقوق، مهما تنوعت التحديات أو تكاثرت محاولات التشويه والإرباك.
وفي الختام، لا يخفى أن هذا المؤتمر يمثل نقطة انطلاق هامة قد تعيد القضية الفلسطينية إلى قلب المشهد الدولي، بمنطق أكثر جدية وواقعية. والأردن، بثباته وتاريخه ومواقفه الصلبة، سيظل على الدوام في مقدمة هذا المسار، مصممًا على ألا يمرّ الملف مرور الكرام، بل دافعًا لا يتوقف نحو تحقيق سلام قائم على العدالة والحرية، سلام يرتكز على قيام دولة فلسطينية مستقلة حرة، تشكل الضامن الحقيقي للاستقرار والسلام في عمق هذه المنطقة الحساسة من العالم.