تعد بركة العرايس، الواقعة في أقصى شمال المملكة، البركة الجيولوجية الغائرة الوحيدة في الأردن، وكانت تشكل موردا طبيعيا وسياحيا وبيئيا نادرا، لكنها اليوم تواجه خطر الزوال نتيجة التغيرات المناخية والتدخلات البشرية، وفق ما أكده الخبير البيئي أحمد شريدة.
وأوضح شريدة أن مساحة البركة كانت في السابق تبلغ نحو 15 دونما، إلا أن عوامل مناخية مثل الاحتباس الحراري وتراجع الهطول المطري، إضافة إلى جفاف بعض الينابيع المغذية، أدت إلى انخفاض منسوب المياه بشكل كبير، ليتقلص حجم البركة إلى نحو 4 دونمات فقط. وأن إقامة مزروعات مثل الزعتر على أطراف البركة، وسحب المياه منها بواسطة صهاريج خاصة، فاقم من تدهور وضعها البيئي.
وأشار إلى أن المناطق المغذية للبركة، وتشمل قرى أم قيس ومنصورة وملكة ، تأثرت أيضا بشح الأمطار، حيث بلغ معدل الهطول المطري هذا الموسم نحو 240 ملم فقط، أي ما يعادل 40% من المعدل السنوي المعتاد البالغ 500 ملم. هذا الانخفاض الحاد أدى إلى نضوب المياه السطحية والجوفية، وجفاف النباتات المائية أو ما يعرف بـ"النزات" داخل البركة.
وأشار شريدة إلى أن بركة العرايس كانت متنزها بيئيا مفتوحا وغنيا بالتنوع الحيوي، حيث كانت تضم نحو 63% من التنوع الحيوي في المملكة، مبينا أن معظم الأشجار الحرجية مثل الأكاسيا، الكينا، والجيجب قد جفت، كما جفت النباتات الطبية والعطرية مثل الميرمية والنعناع البري والبابونج.
أما على صعيد الأحياء المائية، فأوضح شريدة أن البركة كانت تعج بأنواع عديدة من الكائنات مثل الضفادع وخاصة "الجلغم"، والسلاحف لا سيما السلحفاة الإغريقية. ومع جفاف البركة، لجأت هذه الكائنات إلى المناطق المحيطة بحثا عن الرطوبة، قبل أن تهاجر إلى أماكن بعيدة بحثا عن مصادر مائية بديلة، ما تسبب في خسارة كبيرة للتنوع البيئي.
وبين أن منسوب المياه في البركة هبط هذا العام إلى ما يعرف بالخط الأحمر، بعد أن كان العام الماضي عند الخط الأسود، وهو مستوى التخزين المقبول للمياه، ما أدى إلى ظهور تشققات واسعة في أرضية البركة. وأضاف أن الحل المقترح يكمن في قيام سلطة وادي الأردن، الجهة الحكومية المسؤولة، بضخ ما بين 500 إلى 600 ألف متر مكعب من مياه الآبار المالحة القريبة إلى البركة، لإعادة منسوبها إلى الحد الأدنى المطلوب.
ونوه إلى ضرورة إعداد خطة شاملة تتضمن كل الجوانب البيئية والإدارية والزراعية المتعلقة بالبركة، لضمان عدم تكرار هذه الأزمة في المستقبل، مشددًا على أهمية تكاتف الجهود الحكومية والأكاديمية والمجتمع المحلي والقطاع الخاص، للحفاظ على هذا المورد البيئي الحيوي.
وفي ختام حديثه، أعرب شريدة عن أمله في أن يكون الموسم المطري المقبل أفضل، ما يساهم في عودة الحياة تدريجيا إلى البركة، وعودة الكائنات التي هجرتها، مثل الضفدع الجلغم والسلحفاة الإغريقية، بما يضمن استعادة التنوع الحيوي الذي لطالما ميز المنطقة.