أطلق المركز الوطني للأمن السيبراني مشروع "حوارات سيبرانية"، كمبادرة وطنية استراتيجية تهدف إلى فتح نقاش معمّق حول تحديات الفضاء الرقمي، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الأمن السيبراني في حماية الأفراد والمؤسسات. المشروع، الذي يأتي في توقيت دقيق مع تصاعد التهديدات السيبرانية محلياً وعالمياً، يسعى إلى ترسيخ ثقافة رقمية وقائية، وبناء جبهة داخلية واعية وقادرة على مواجهة المخاطر الرقمية المتزايدة، من خلال سلسلة من الجلسات الحوارية بمشاركة خبراء وقيادات وطنية، وبتفاعل مباشر مع مختلف شرائح المجتمع.
مشروع بمنظور وطني شامل
المشروع الذي انطلق رسمياً أمس الاثنين، لا يكتفي بطرح القضايا التقنية من منظور ضيق، بل يتبنى نهجاً مجتمعياً تشاركياً يستشرف حلولا عملية ومستدامة مستندة إلى الواقع الأردني، ويتجلى ذلك في التركيز على تحفيز الحوار البنّاء، وخلق مساحة للتفكير الجماعي بين أصحاب القرار والخبراء والأكاديميين، وممثلي القطاعات كافة، وصولاً إلى المواطن العادي.
المبادرة تسعى أيضاً إلى دمقرطة المعرفة السيبرانية، من خلال تبسيط المفاهيم وتوصيلها بلغة مفهومة للشارع الأردني، في مواجهة طوفان المصطلحات المعقدة والاختراقات التي لا تميز بين خبير ومستخدم بسيط.
ما الجديد في هذه الحوارات؟
اللافت في المشروع أنه لا يكتفي بتوصيف التحديات، بل يعمل على تحليلها من جذورها، بما في ذلك آثارها على الحياة اليومية للأفراد، وسير العمل داخل المؤسسات، ومستقبل الأطفال والنساء في الفضاء الرقمي.
كما أن المشروع يضع ملف الأمن السيبراني داخل المدرسة والجامعة، ويطالب بدمج هذا المفهوم ضمن المناهج التعليمية، ليكون جزءاً من الوعي العام منذ الصغر، وليس مجرد معرفة تقنية حصرية على المختصين.
الجانب الآخر المهم هو سعي المشروع نحو إقامة شراكات استراتيجية بين القطاعين العام والخاص، بما يعزز مناعة الاقتصاد الوطني من التهديدات الرقمية، ويضع الأردن في موقع أكثر جهوزية إقليمياً.
3 جلسات.. نتائج مأمولة
وفقاً لما أعلنه المركز، فإن "حوارات سيبرانية" ستتضمن 3 جلسات متخصصة تمتد حتى نهاية آب، بمشاركة شخصيات وطنية وخبراء وأكاديميين، إضافة إلى فاعلين من المجتمع المدني، ما يشير إلى منهجية تشاركية تعد نادرة في معالجة هذا النوع من القضايا في المنطقة.
ومن المتوقع أن تُخرج هذه الجلسات توصيات عملية تلامس الملفات الحيوية، أبرزها:
دمج الأمن السيبراني في منظومة التعليم، تطوير البنية التحتية الرقمية الوطنية، تمكين الفئات الأكثر عرضة للخطر، خصوصاً النساء والأطفال، ترسيخ ثقافة التعاون والتكامل السيبراني بين المؤسسات.
تحديات في الطريق
ورغم الطموح الكبير، إلا أن المشروع يواجه تحديات حقيقية، أبرزها ضعف الوعي العام بأهمية الأمن السيبراني، وغياب ثقافة الوقاية الرقمية لدى كثير من المؤسسات والمواطنين، إلى جانب الفجوة بين التشريعات والواقع الميداني.
كما أن الانتقال من الحوار إلى الفعل المؤسسي يتطلب إرادة سياسية واضحة، وميزانيات مخصصة، ومتابعة تنفيذية دقيقة، حتى لا تبقى التوصيات حبراً على ورق كما حدث مع مشاريع ومبادرات سابقة.
لا شك أنه في المحصلة، يخطو "حوارات سيبرانية" باتجاه تأسيس سيادة رقمية أردنية تقوم على الوعي، والمشاركة، والحماية الشاملة للمجتمع، وهو مشروع يحمل في جوهره رسائل استراتيجية بأن الأمن السيبراني لم يعد شأناً تقنياً بحتاً، بل أولوية وطنية تمس الأمن القومي والسيادة الرقمية، وتتطلب حواراً مجتمعياً شاملاً يعبر عن نبض الواقع ويستشرف آفاق المستقبل.