طالب مرضى مصابون بالسيلياك الجهات الحكومية باتخاذ خطوات فعلية لتوفير دعم غذائي مباشر وعاجل لهم، مؤكدين أن الغذاء الخالي من الغلوتين يعد علاجا إلزاميا لا بديل عنه وليس مجرد نمط غذائي اختياري.
وأشاروا في حديث لـ "الرأي" أن الكلفة العالية للمنتجات الخالية من الغلوتين تعيق التزامهم بالنظام الغذائي العلاجي، حيث يضطر بعضهم لاستخدام بدائل غير امنة، ما يعرضهم لمضاعفات صحية خطيرة.
وفي مقابلة خاصة مع "الرأي"، أكدت استشارية الأمراض الباطنية وأخصائية الجهاز الهضمي والكبد الدكتورة ميسم عكروش، أن الحمية الخالية من الغلوتين هي العلاج الوحيد المؤكد لمرضى السيلياك، لكن ارتفاع أسعار المنتجات الخاصة وصعوبة توفرها خاصة خارج العاصمة، يجعل من الالتزام بها تحديا يوميا يهدد صحة المرضى على المدى البعيد.
وشددت على ضرورة التفريق بين مرض السيلياك وتحسس الحنطة، فتحسس الحنطة هو استجابة مناعية فورية لبروتينات الحنطة، وتظهر أعراضه في شكل طفح جلدي أو ضيق تنفس، مثل باقي أنواع الحساسية الغذائية.
أما السيلياك كما ذكرت فهو اضطراب مناعي ذاتي مزمن يتسبب فيه الغلوتين الموجود في الحنطة والشعير والشوفان، بتلف تدريجي في بطانة الأمعاء الدقيقة، مما يؤدي إلى مشاكل امتصاص خطيرة تؤثر في أجهزة الجسم المختلفة.
وأوضحت عكروش أن الدراسات حول مرض السيلياك في الأردن لا تزال محدودة زمنيا وجغرافيا، وتتركز في الغالب على فئات ضيقة، كالأطفال المصابين بأمراض مناعية مثل داء السكري النوع الأول أو اضطرابات الغدة الدرقية، مما يعني أن الواقع الوبائي للمرض قد يكون أكبر مما تشير إليه البيانات المتوفرة.
وكشفت عن دراسة حديثة قدمتها بالتعاون مع أطباء وطبيبات متدربين، في مؤتمر الجمعية العالمية لأمراض الجهاز الهضمي (WGO)، والتي شملت عددا من المرضى المراجعين ممن ظهرت عليهم أعراض هضمية حديثة.
وأظهرت الدراسة بحب عكروش ارتفاعا ملحوظا في الحالات المثبتة بالسيلياك، من خلال فحوص الدم أو خزعات الأمعاء الدقيقة أو كليهما، كما أظهرت ارتباطا واضحا بين المرض وعدد مرات الإصابة بعدوى كوفيد-19 أو تلقي المطاعيم أو كليهما، وقد تم اعتماد الدراسة كذلك كورقة علمية في مؤتمر الكلية الملكية البريطانية للأطباء لهذا العام.
وعن أعراض السيلياك، أشارت إلى أنها لا تقتصر على الإسهال أو ألم البطن كما هو شائع، إنما تشمل أعراض هضمية عليا وسفلى، كالغثيان، وصعوبة البلع، والانتفاخ، والإمساك، أو حتى احتباس السوائل، وأعراض تتعلق ببطء في الأيض وفشل في محاولات إنقاص الوزن، دون ضرورة ظهور النحول، كذلك الام في المفاصل والعضلات، واضطرابات النوم، وصداع مزمن.
ومن الأعراض أيضا، أعراض نفسية مثل القلق والاكتئاب، وصعوبة التركيز، وطفح جلدي مميز للمرض يسمى "الطفح الحلئي" (Dermatitis herpetiformis)، بالإضافة لأعراض مناعية تشمل التهابات أو اضطرابات في الكبد، الكلى، الغدة الدرقية، الرئة، والمفاصل.
وبالنسبة لتشخيص السيلياك، بينت عكروش أنه يبدأ بأخذ سيرة مرضية مفصلة وفحص سريري دقيق، يتبعها فحوصات دم متخصصة للكشف عن الأجسام المضادة المرتبطة بالمرض، كما تجرى خزعات من الأمعاء الدقيقة لرصد التلف الناتج عن الغلوتين.
وتابعت أنه يتم إجراء فحوص تقييم الامتصاص أيضا، ورصد تبعات المرض على أجهزة الجسم المختلفة، مع متابعة دورية للكشف المبكر عن المضاعفات مثل هشاشة العظام، أو الأورام المرتبطة بسوء الامتصاص المزمن، وتأثيرات المرض على الأداء الوظيفي للمصاب.
وفيما يتعلق بالعلاج، أكدت أن العلاج الوحيد المثبت فعاليته لمرض السيلياك هو الحمية الصارمة الخالية تماما من الغلوتين، حتى في حالات التلوث العرضي، مع ضرورة تعويض النقص الناتج عن سوء الامتصاص من خلال مكملات الحديد والفيتامينات والمعادن.
وأضافت أن الحمية لا تعالج فقط الأعراض الظاهرة، بل تسهم في تحسين الحالة النفسية، والنمو عند الأطفال، وتحسين الخصوبة لدى الجنسين، والتحصيل الدراسي والوظيفي، مشددة على أن الالتزام بالحمية يتطلب وعيا عميقا من المريض، وتعاونا من العائلة والمدرسة وبيئة العمل، بدءا من توفر الغذاء المناسب في المنزل، والمقاصف، وانتهاء بالمناسبات العامة والخاصة.
وطالبت عكروش الجهات المعنية بتوفير المنتجات الخالية من الغلوتين بأسعار مناسبة وفي كافة محافظات المملكة وليس فقط في العاصمة، منوهة إلى أن هذا الاستثمار في الغذاء العلاجي سيوفر على الدولة تكاليف باهظة مستقبلا، وسيساعد المرضى على الالتزام بالحمية، ما ينعكس إيجابا على صحتهم وجودة حياتهم.