الأردن واللاجئون السوريون: بعد أربعة عشر عاماً من التعليم في اللجوء… كيف سنستجيب لمرحلة العودة؟

تاريخ النشر : السبت 08:14 26-7-2025
راية عادل خريس

بعد أربعة عشر عاماً من الأزمة السورية، بات الأردن اليوم يُقدَّم كنموذج دولي يُحتذى به في إدارة تعليم اللاجئين. وبتوجيهات ملكية سامية، رسّخت المملكة التزامها الثابت بالحفاظ على حق كل طفل لاجئ في التعليم، مُتَحَدّيةً في ذلك واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية في التاريخ المعاصر التي أفرزت موجات لجوء غير مسبوقة. حيث استقبل نحو 235 ألفاً في سن التعليم، وفقاً لأحدث تقارير وزارة التربية والتعليم والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين للعام 2024.

ورغم الأعباء الاقتصادية، وضعف الإمكانات والبنية التحتية، والتراجع المتزايد في التمويل الدولي، نجح الأردن – عبر استراتيجياته المتعددة وشراكاته الدولية – في استيعاب الآلاف من الطلبة السوريين في مدارس حكومية ومخيمات اللاجئين، مع ضمان التعليم المجاني، وتوفير الكتب، والدعم النفسي، والبيئة التعليمية الآمنة. حيث طبقت الوزارة نظام "الفترتين" في مئات المدارس، ووسّعت من نطاق برامج التعليم غير النظامي، وفعّلت نظام إدارة المعلومات التربوية EMIS الذي يُعدّ من الأنظمة الأكثر تطوراً في تتبع مسيرة الطلبة اللاجئين.

ومنذ انطلاق الأزمة، لم يتعامل الأردن مع اللاجئ السوري كضيف مؤقت، بل كبشرٍ له حقوق أصيلة، في مقدّمتها الحق في التعليم، وبفضل سياسات تعليمية شاملة، ودعم من شركاء مثل اليونيسف، والمفوضية، والاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي، وبنك الإعمار الألماني، والمساعدات الأمريكية وعدد من المنظمات الدولية والمحلية، أصبح الأردن رائداً إقليمياً في دمج الأطفال اللاجئين داخل النظام التعليمي. فقد تم تطوير الخطة الاستراتيجية للتعليم 2020–2025 لتشمل محورًا خاصًا بالتعليم الشامل، وتعزيز الدعم النفسي والاجتماعي، وتوسيع مقدرة المدارس الحكومية عبر إنشاء أبنية جديدة أو تعديل القائم منها، وذلك ضمن إطار خطة الاستجابة الأردنية للأزمة السورية (JRP)

اليوم، وعلى أعتاب مرحلة جديدة عنوانها "العودة الطوعية"، تُطرح أسئلة جوهرية تتعلق بمستقبل التعليم للاجئين العائدين. هنا تتضاعف التحديات، فالسؤال لم يعد فقط كيف ندير التعليم للاجئين داخل الأردن، بل كيف نستعد لنقل آلاف الطلاب من بيئة تعليمية مستقرة ومتقدمة إلى بيئات قد تفتقر لأدنى مقومات التعليم؟ كيف نؤهل هؤلاء الأطفال ليواصلوا تعليمهم دون انقطاع أو انتكاسة؟ هل سيتم تأسيس برامج انتقالية تربوية؟ وماذا عن التعليم العالي؟ هل ستبقى الأبواب مفتوحة أمام الطلبة السوريين الذين التحقوا بالجامعات الأردنية، ويرغبون باستكمال دراستهم؟

وإلى جانب التساؤلات حول مستقبل الطلبة، يبرز تساؤل لا يقل أهمية: ماذا عن المعلمين؟

في قلب العملية التعليمية داخل المخيمات، لعب المعلمون الإضافيون دورًا محوريًا، فكانوا خط الدفاع الأول في إيصال التعليم للأطفال السوريين في ظروف غير اعتيادية. وهنا تُطرح أسئلة حتمية: ما مصير هؤلاء المعلمين؟ وهل توجد خطط حكومية واضحة لإعادة توظيفهم أو دمجهم ضمن النظام التعليمي الرسمي؟

لقد استثمرت الدولة والمجتمع الدولي في بناء قدرات هذه الكوادر، من خلال تدريبات نوعية في التعليم في حالة الطوارئ، الدعم النفسي الاجتماعي. فهل يُتركون دون أفق مهني بعد سنوات من الخدمة؟ أم أن هناك تصورًا وطنيًا للاستفادة من خبراتهم في سد الفجوات التعليمية التي لا تزال بحاجة لمدرسين ذوي خبرة؟

لكن، مع كل هذه الخطط الطموحة، تبقى معادلة التمويل هي الأصعب. فقد أكدت دراسات وتوصيات صادرة عن البنك الدولي ومنظمات دولية في عام 2024 على ضرورة أن يحظى الأردن بدعم فني وتمويلي طويل الأجل، وإلى أدوات تخطيط مرنة تأخذ بعين الاعتبار الطبيعة المتغيرة للأوضاع في سوريا.

ومن هنا، تتجه الأنظار إلى المجتمع الدولي، لا لتقييم ما حققه الأردن فحسب، بل لتقديم نموذج تشاركي حقيقي يدعم المملكة في الانتقال من مرحلة استضافة اللاجئين إلى مرحلة دعم العودة الطوعية الآمنة والمنظمة. وقد يكون ذلك عبر تأسيس صندوق دولي متخصص لدعم التعليم في مرحلة العودة، أو عبر تطوير منصات تعليم رقمية تخدم العائدين في المناطق المحرومة، أو حتى من خلال بناء قدرات الكوادر التربوية في سوريا بدعم من الخبرات الأردنية التي أثبتت جدارتها خلال سنوات الأزمة.

ولأنّ الأردن، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم، لم يكن يوماً مجرّد مستقبل للاجئين، بل شريكاً فاعلاً في صياغة الحلول المستدامة، فإنّ المرحلة القادمة تتطلب رؤية استباقية تحاكي تعقيدات "العودة الطوعية" وتضع التعليم في صدارة الأولويات. من هنا، تبرز مجموعة من الحلول التي يمكن البناء عليها لضمان استمرارية التفوق الأردني في هذا المضمار: أولاً، إطلاق برامج تأهيلية تربوية ونفسية داخل الأردن تُعِدّ الطلبة العائدين للاندماج في النظام التعليمي السوري. ثانياً، تشكيل لجان تنسيقية مشتركة بين وزارة التربية والتعليم والجهات السورية لتأمين جاهزية المدارس في مناطق العودة وتوفير المعلمين المدربين والبيئة الآمنة. ثالثاً، إنشاء مراكز عبور تعليمية مؤقتة داخل الأردن تعمل كنقطة انتقالية تضمن استمرارية التعليم خلال فترة العودة، وتقدّم خدمات صحية ونفسية مرافقة. رابعاً، تعزيز الشراكات مع الجامعات الأردنية والدولية لفتح مسارات بديلة أمام طلبة التعليم العالي من اللاجئين، سواء عبر مواصلة الدراسة عن بُعد بعد العودة أو من خلال منح دراسية خاصة. خامساً، الدعوة إلى تأسيس صندوق إقليمي متعدد الأطراف مخصص لدعم التعليم في سياق العودة الطوعية، يوفّر تمويلاً مستقراً بعيداً عن تقلبات السياسات الدولية. وسادساً، الاستثمار في أدوات التعليم الرقمي والمنصات الإلكترونية لإيصال التعليم إلى الطلاب العائدين. وأخيراً، بناء قاعدة بيانات إقليمية تُعنى بتتبع مسيرة الطلاب العائدين، وتُمكّن من التقييم المستمر وتوجيه التدخلات بدقة. إنّ هذه المقترحات ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة إنسانية وتربوية لضمان ألا يتحوّل مسار العودة إلى نكسة تعليمية، بل إلى امتداد طبيعي لمسيرة النجاة التي احتضنها الأردن طيلة أربعة عشر عاماً.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }