في ظل استمرار التحديات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، تتسع ظاهرة "هجرة العقول" في الأردن لتشمل أعدادًا متزايدة من الكفاءات الشابة والمتعلمين، الذين يجدون في الخارج بيئة أكثر استقراراً.
ورغم الجهود الرسمية في تنفيذ برامج التشغيل والدعم الريادي، إلا أن المؤشرات الميدانية تكشف فجوةً لا تزال قائمة بين طموحات الشباب والفرص المتاحة داخل الوطن.
أرقام لافتة وتقارير متواترة تسلط الضوء على حجم الرغبة بالهجرة لدى فئة الشباب الأردني، مدفوعة بواقع اقتصادي يصفه البعض بـ"غير المناسب"، وبدخل محدود لا يحقق تطلعاتهم. في المقابل، تسعى مؤسسات حكومية وأهلية لفتح مسارات جديدة أمام الشباب من خلال التشغيل المدعوم، والتدريب، وريادة الأعمال.
فما الأسباب العميقة لهذه الظاهرة؟ وما الذي يدفع الشباب الجامعي تحديدًا للهجرة؟ وهل تكفي المبادرات الوطنية لإعادة بناء الثقة بسوق العمل المحلي؟ هذا التقرير يحاول الإجابة عبر شهادات رسمية ورؤى تحليلية من صلب المشهد الأردني الراهن.
خزاعي: 42% من الشباب يتطلعون للعمل في الأسواق العربية
أكد الدكتور حسين خزاعي، أستاذ علم الاجتماع، أن نسبة كبيرة من الشباب الأردنيين باتوا يعبّرون عن رغبتهم بالعمل في الاسواق العربية والدولية، وذلك بسبب الظروف الاقتصادية وارتفاع نسب البطالة، خاصة بين المتعلمين منهم.
وأشار خزاعي إلى أن “آخر مقياس للباروميتر العربي في عام 2024 أظهر أن 42% من الأردنيين لديهم رغبة بذلك، وتحديدًا فئة الشباب”، مبينًا أن الأردن يحتل المرتبة الثانية عربيًا بعد تونس في هذا المؤشر.
وأوضح أن السبب الرئيسي الذي يدفع الشباب نحو العمل بالخارج يتمثل في الأوضاع الاقتصادية، مؤكدًا أن 42% من الشباب الذين لم تتح لهم فرص عمل في الأردن، و43% من حاملي الشهادات الجامعية، خاصة من حملة شهادة البكالوريوس فأعلى، يفكرون بذلك.
وأضاف خزاعي أن 28% من الأردنيين دخلهم الشهري أقل من 300 دينار، وهو دخل لا يلبي طموحات الشباب، مشيراً إلى أن هذه الأرقام تعكس حالة تدفع بالكفاءات إلى البحث عن فرص عمل خارجية تحقق لهم الاستقرار والطموح.
وختم خزاعي حديثه بالقول إن الشباب يسعون للعمل بالاسواق الاقيمية لتحقيق مستقبل أفضل، وتوفير دخل يمكنهم من إعالة أسرهم، مبينًا أن بعضهم يهدف الى تحسين نوعية الحياة أو الاستفادة من فرص التعليم والعمل في الخارج، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة في الأردن.
شموط: البرنامج الوطني للتشغيل يوفّر فرص عمل حقيقية ويدعم الأجور والتدريب
أكد مدير البرنامج الوطني للتشغيل في وزارة العمل، رياض شموط، أن الوزارة تُعد من الجهات الرائدة في تنفيذ المشاريع التي تُعنى بالشباب ودمجهم في سوق العمل، من خلال برامج وخطط استراتيجية واضحة انبثقت عن رؤية التحديث الاقتصادي.
وقال شموط إن وزارة العمل لا تتحمّل وحدها مسؤولية القضاء على البطالة، بل تُعدُّ من الجهات التي تنظّم سوق العمل بالتعاون مع باقي مؤسسات الدولة، والقطاع الخاص، والمجتمع المحلي. وأضاف: مكافحة البطالة مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب تضافر الجهود من مختلف الأطراف.
وأوضح شموط أن الوزارة أطلقت منذ عام 2022 البرنامج الوطني للتشغيل، والذي يهدف إلى توفير فرص عمل حقيقية للأردنيين، من خلال دعم أجور العمال وتقديم برامج تدريبية للمُتقدّمين الباحثين عن فرص عمل.
وبيّن أن البرنامج يعتمد على المنصة الوطنية للتشغيل، التي سجّل فيها حتى الآن نحو 400 ألف باحث عن عمل، حيث تقوم المنصة بمواءمة المهارات الموجودة لدى الشباب مع متطلبات سوق العمل، وتتيح لأصحاب العمل اختيار الكفاءات المناسبة.
وأضاف من خلال هذا البرنامج، نوفر دعمًا لأجور العاملين الجدد لمدة تصل إلى 6 أشهر، ما يشجّع القطاع الخاص على التوظيف ويمنح الشباب فرصة اكتساب الخبرة العملية.
وأكد شموط أن البرنامج الوطني للتشغيل يشكل رافعة حقيقية لسوق العمل الأردني، ويسهم في بناء جسر عملي بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق.
الرواش: تحوّل تفكير الشباب نحو الريادة والتشغيل الذاتي
وقالت راما الرواش، مديرة الإعلام والاتصال في صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، إن تفكير الشباب الأردني يشهد تغيّرًا ملحوظًا من عام إلى آخر، نتيجة التطور التكنولوجي والتحوّلات المتسارعة في مختلف مجالات الحياة، ما أثر على نظرتهم لمستقبلهم المهني.
وبيّنت أن عددًا كبيرًا من الشباب أصبحوا يتجهون نحو تأسيس مشاريعهم الخاصة، بعد أن نجح العديد منهم في الانطلاق من الصفر وبناء مشاريع ريادية ولّدت فرص عمل داخل مجتمعاتهم المحلية وأسهمت في دعم الاقتصاد الوطني.
وأوضحت أن برنامج الريادة الذي ينفذه الصندوق جاء لتعزيز ثقافة التشغيل الذاتي لدى الشباب، وتمكينهم من ترجمة أفكارهم الإنتاجية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، مشيرة إلى أهمية أن يتحول الشاب من باحث عن فرصة إلى صانع لها.
وأضافت أن فرص الدعم متوفرة، لكن المطلوب من الشباب أن يكونوا أكثر وعيًا وقدرة على استغلال هذه الفرص بما يخدم طموحاتهم، مؤكدة أن الحماس الذي يظهره الشباب من خلال تفاعلهم المباشر يعكس وعيًا متزايدًا تجاه مفهوم العمل والفرص المهنية في ظل الظروف الحالية.
وشددت الرواش على أن الصندوق سيواصل جهوده لدعم المبادرات الريادية وتمكين الشباب من بناء مستقبلهم المهني على أسس من الابتكار والاستدامة.