في خطوة تاريخية نحو إعادة صياغة مستقبل كرة السلة الأردنية، أعلن الاتحاد الأردني لكرة السلة عن تعيين المدرب الكندي المخضرم روي رانا في منصبين قياديين: مدير عام لعمليات كرة السلة، ومدرب للمنتخب الوطني الأول.
هذا التعيين لا يُعتبر مجرد قراراً فنياً، بل يمثل نقطة تحول جذرية في النهج المؤسسي، يعكس رغبة حقيقية في بناء مشروع وطني متكامل يعيد تموضع الأردن كقوة صاعدة في كرة السلة الآسيوية، لكن في رأيي المتواضع كمتابع، فإن أهمية هذا التعيين لا تكمن فقط في البطولات القريبة، بل في استثمار وجود مدرب من هذا العيار لقيادة تحول طويل الأمد.
التحدي الحقيقي هو في بناء منظومة متماسكة تنمو تدريجيًا عبر الزمن، ترتكز على فلسفة موحدة، تنمية الفئات السنية، تطوير البنية التحتية، وتمكين الأندية والمدارس من أداء دور محوري في عملية التطوير.
روي رانا يُعرف بأسلوبه الشامل الذي يجمع بين الانضباط التكتيكي والتنشئة الذهنية، ويتميز بأسلوب تدريبي يعتمد على الدفاع المتغير، المرونة في الهجوم، وتشجيع اللعب الجماعي المنظم، كما يُولي اهتمامًا كبيرًا لتطوير القدرات العقلية للاعبين، وتحفيزهم على اتخاذ قرارات ذكية في اللحظات الحرجة. ما يميّزه أكثر هو إيمانه العميق بدمج اللاعبين الشباب تدريجيًا ضمن المنظومة الكبرى، بما يضمن خلق تواصل فني بين الأجيال.
الخطوة الأولى يجب أن تبدأ من كأس آسيا ٢٠٢٥ في جدة، باعتبارها فرصة مثالية لتقديم هوية جديدة للمنتخب الوطني، تعكس ملامح المشروع الفني الجديد. لكن الأهم من البطولة ذاتها، هو ما يجب أن يصاحبها من مراجعة شاملة للبنية الفنية: إنشاء أول مركز إقليمي دائم لتطوير اللاعبين، إطلاق قاعدة بيانات وطنية للاعبين والكوادر، وبدء تطبيق مناهج تدريب موحدة عبر المنتخبات والأندية.
البنية التحتية المتخصصة تُعد حجر الزاوية في إنجاح أي مشروع تطوير طويل الأمد، ولا يمكن أن تزدهر كرة السلة الأردنية دون توفر مرافق تدريبية حديثة وموزعة جغرافيًا تشمل جميع المحافظات، من صالات مغلقة متطورة إلى ملاعب مدرسية وأكاديميات مجتمعية.
إن إنشاء مراكز تدريب إقليمية مجهزة تقنيًا، ومرافق لياقة بدنية وتأهيل ذهني، وقاعات تنافسية مخصصة للذكور والإناث، سيخلق بيئة احترافية حقيقية، ويُسهم في نشر الوعي بكرة السلة، وتحفيز الأجيال الجديدة على الانخراط في اللعبة من سن مبكرة، مما يوسّع القاعدة الجماهيرية والفنية في آن واحد.
تحسين نوعية الدوري الممتاز للرجال يُعد أيضًا من المفاتيح الأساسية للنهوض الشامل بكرة السلة الأردنية. يجب أن يتحول الدوري إلى منصة تنافسية حقيقية تُظهر المواهب وتُحضّر اللاعبين للمنتخب الوطني. ويتطلب ذلك رفع مستوى التحكيم، تطوير أداء المدربين، وتحسين التغطية الإعلامية. كما أن الاستثمار في التسويق الرياضي، وبناء هوية قوية للبطولة، وتنظيم فعاليات جماهيرية، سيساعد في جذب جمهور جديد إلى الملاعب، وإعادة إحياء الحضور الجماهيري كمكون أساسي في تطور اللعبة وتعزيز ثقافتها المجتمعية.
البناء الحقيقي يبدأ عبر شراكة مؤسسية بين الاتحاد والأندية. لا يمكن تطوير كرة السلة بدون دمج الأكاديميات ومراكز التدريب ضمن منظومة وطنية مرخصة، تخضع لمعايير فنية موحدة، وتُشرف عليها لجان مختصة.
الأندية يجب أن تصبح مراكز تطوير معتمدة، تتشارك في إعداد اللاعبين، وتخضع لتقييم دوري فني وبدني.
وبموازاة ذلك، فإن تأهل منتخب الأردن تحت ١٩ عامًا إلى كأس العالم ٢٠٢٥ يُعد محطة تاريخية وفرصة استراتيجية لا تُعوّض، فهذا الجيل يمثل النواة المثالية لتأسيس منتخب رديف مدعوم علميًا وفنيًا، على أن يُدمج تدريجيًا في الفريق الأول. لا بد من متابعة فردية لكل لاعب شارك في كأس العالم، ووضع خطة تطور شاملة تشمل التدريبات، التأهيل، التحليل الفني، والتهيئة الذهنية.
هذا الإنجاز لا يجب أن يكون لحظة عابرة، بل قاعدة انطلاق لجيل يواصل المنافسة حتى ٢٠٣٠ وما بعدها.
ومن الجوانب المكملة للمشروع الوطني، تأتي أهمية تطوير كرة السلة النسائية ولعبة ٣x٣، التي تُعد مختبرًا مثاليًا لاكتشاف وصقل المهارات الفردية في بيئة تنافسية سريعة. يجب أن يُخصص لهذه الفروع موارد مستقلة، وخطط تطوير موازية، تشمل تنظيم دوريات مدرسية وجامعية، وتوفير برامج تأهيل للمدربات واللاعبات.
وفي المرحلة المتوسطة (٢٠٢٦-٢٠٢٧)، يأتي الهدف الأكبر: التأهل إلى كأس العالم ٢٠٢٧ في قطر، أول مونديال يُقام في الشرق الأوسط.
هذه البطولة ليست فقط غاية، بل وسيلة لاختبار صلابة النظام الجديد، ومدى نضج المنتخب فنيًا وذهنيًا. المشاركة في هذا الحدث يجب أن تتزامن مع إطلاق أكاديمية وطنية دائمة، وتوسيع نطاق التدريب الاحترافي ليشمل جميع الأقاليم.
السنوات التالية (٢٠٢٨-٢٠٣٠) يجب أن تشهد استكمال البنية المؤسسية: توسيع مراكز النخبة، تطوير المدربين المحليين، إرسال البعثات إلى الخارج، وتحويل الأردن إلى منصة إقليمية للتدريب واستضافة البطولات القارية.
إن استمرار روي رانا لأطول فترة ممكنة ليس ترفًا، بل ضرورة استراتيجية، ووجوده يضمن ثباتًا فكريًا، واستقرارًا في الأسلوب، ونقلًا مباشرًا للمعرفة إلى الأطر المحلية، وتغييره المتعجل يعني فقدان الزخم، وتهديد مشروع لم تكتمل أركانه بعد.
في النهاية، لا يتعلق نجاح كرة السلة الأردنية فقط بالفوز أو الخسارة، بل بقدرتنا على تحويل لحظة التغيير هذه إلى نقطة انطلاق دائمة لنظام إنتاج احترافي مستقر، ينمو بثقة، ويتجدد بثبات.