وقف الملك عبد الله الثاني أمام البرلمان الأوروبي ليُذكّر العالم بأن القضية الفلسطينية ليست مجرد صراع إقليمي، بل اختبار حقيقي لمصداقية النظام الدولي وقيمه المعلنة.
جاء خطاب الملك في ظل ظروف بالغة التعقيد: حرب الابادة الإسرائيلية على غزة، وتصاعد التطهير العرقي في الضفة الغربية ومحاصرة القدس والمسجد الأقصى المبارك، وتوسع دائرة الصراع من غزة الى لبنان واليمين وسوريا ليمتد لضرب إيران، مما يضع المنطقة على شفا حرب إقليمية شاملة.
ركّز الملك على فكرة مركزية:«ما يحدث في غزة لم يعد مجرد انتهاك للقانون الدولي، بل انهيار كامل للبوصلة الأخلاقية العالمية». وقد وظّف خطاباً أخلاقياً لفضح التناقض الغربي.
المعايير المزدوجة
وذكر الملك كيف أن الهجمات على المستشفيات والمجاعة في غزة – التي صدمت العالم قبل عامين – أصبحت «أمراً عادياً» بسبب صمت المجتمع الدولي. وقارن بين تجربة أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية (التي اختارت فيها البناء على القيم) وبين الوضع الحالي، حيث تُهدر هذه القيم في فلسطين. محذراً من تداعيات الاستثناء الإسرائيلي «عندما يسمح إسرائيل بهدم المنازل والبُنى التحتية بشكل غير قانوني، فهي تهدم أيضاً الحدود الأخلاقية للعالم».
هنا، نجح الملك في تحويل القضية من صراع عربي-إسرائيلي إلى قضية إنسانية تمسّ مصداقية الغرب نفسه والقيم التي ينادي بها ويطالب العالم بتطبيقها.
أشار الملك إلى أن «توسيع إسرائيل هجومها ليشمل إيران يعني أن لا أحد يعرف أين ستتوقف حدود المعركة»، وهي إشارة واضحة إلى إسرائيل تعتمد على استراتيجية التصعيد لتشتيت الانتباه عن جرائمها في غزة، لكن هذا يُهدد أمن المنطقة كلها.
وحذر الملك من أن الغرب لن يكون بمنأى عن تداعيات الحرب إذا امتدت إلى إيران أو لبنان، مما يجعله شريكاً في تحمّل المسؤولية. وبيّن أن الأردن شريك استراتيجي لأوروبا في منع انهيار المنطقة، لكن هذا يتطلب دعم حل عادل لفلسطين.
أما المحور الثالث في خطاب الملك فكان الوصاية الهاشمية.. ورقة الضغط الدينية والسياسية. إذ لم يغفل الملك عن استخدام ورقة «الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة، حيث ربط بين حماية المقدسات المسيحية والإسلامية وبين الهوية الأردنية كدولة تعايش، وذكر الغرب بأن الأردن حارس حامي للتوازنات الدينية في القدس التي تتعرض لسلسلة من الانتهاكات الإسرائيلية، وأن أي انهيار في الوضع الفلسطيني سيُهدد هذا الدور، مشيراً الى عمّق شرعية الأردن كطرف دولي لا غنى عنه في أي مفاوضات مستقبلية.
رغم قوة الخطاب، تبقى الأسئلة معلقة، هل ستحوّل أوروبا كلمات التعاطف إلى سياسات فعلية؟ (مثل فرض عقوبات على إسرائيل أو الاعتراف الكامل بدولة فلسطين). كيف سيتعامل الأردن مع الضغوط الأمريكية المُتوقعة بعد هذا الخطاب؟ وهل يمكن تحويل الرسائل الأخلاقية إلى تحالفات سياسية داعمة للحلّ العادل؟
لا شك قدّم الملك عبدالله الثاني خطاباً سياسياً متماسكاً دمج فيه بين الضغط الأخلاقي (بكشف تناقضات الغرب) والضغط الاستراتيجي (بتحذير أوروبا من تداعيات التصعيد)، والضغط الديني/السياسي (بالتركيز على دور الأردن في القدس). ويبقى التحدي الأكبر في تحويل هذا الخطاب إلى فعل سياسي مؤثر، خاصة أن إسرائيل تواصل عدوانها بدعم غربي غير محدود.
هنا لابد من الإشارة الى ان مجموعة الاشتراكيين والديمقراطيين (S&D) أشادوا بتحذير الملك من «الانحدار الأخلاقي» في غزة، وطالبوا بتحرك عاجل لوقف الحرب. وكتلة الخضر (Greens/EFA): وصفوا الخطاب بأنه «جرأة نادرة في فضح ازدواجية المعايير»، ودعوا إلى فرض عقوبات على إسرائيل.
أما رئيسة البرلمان الأوروبي (روبرتا ميتسولا): أكدت على «ضرورة حل الدولتين»، لكنها تجنبت انتقاد إسرائيل مباشرة.
الكثير من أعضاء كتلة حزب الشعب الأوروبي (EPP): تحفظوا على انتقاد الملك لإسرائيل، معتبرين أن الخطاب «لم يذكر حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها». وبعض الدول الأوروبية (مثل ألمانيا والمجر): ركزت على «ضرورة وقف العنف من الجانبين»، في إشارة إلى معادلة تضييع الحقوق الفلسطينية.
البيت الأبيض: لم يعلق مباشرة، لكن مسؤولاً رفيعاً (رفض الكشف عن اسمه) وصف الخطاب لـ «رويترز» بأنه «غير مفيد للجهود الدبلوماسية الجارية».
وزارة الخارجية الأمريكية: كررت بيانها المعتاد عن «ضرورة وقف إطلاق النار»، دون أي إشارة إلى انتقادات الملك.