يُخفف الهجوم الإسرائيلي على إيران الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، في ظل الانتقادات المتزايدة في الخارج بسبب حرب غزة والتوترات داخل حزبه الحاكم.
عشية الهجوم الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية في 13 حزيران/يونيو، بدت حكومة نتانياهو على وشك الانهيار وسط انقسامات داخل الأكثرية الحاكمة حول تجنيد اليهود المتشددين.
وفي ظل الانتقادات في الداخل الإسرائيلي بسبب تعامله مع أزمة الرهائن في غزة، وتلك الموجهة في الخارج بسبب إدارته للحرب التي تخوضها إسرائيل في القطاع الفلسطيني، سجل نتانياهو انخفاضا حادا في شعبيته، وتوقعت استطلاعات الرأي خسارته في حال إجراء انتخابات.
لكن في غضون أيام، انقلب الوضع فجأة.
فقد سقط مشروع قانون قدّمته المعارضة لحل البرلمان وفرض إجراء انتخابات، بأغلبية ضئيلة ليلة 11-12 حزيران/يونيو. وبعد أربع وعشرين ساعة، شنّت طائرات مقاتلة إسرائيلية غارات على إيران التي ردّت بإطلاق سلسلة هجمات بالصواريخ والمسيّرات، ما أثار حالا من الاستنفار الشعبي في إسرائيل.
ومنذ نحو عشرين عاما، دأب نتانياهو على التهديد بـ"الخيار العسكري" ضد إيران، محذرا من خطر هجوم نووي من طهران على إسرائيل، وهو خوف يتشاركه الآن معظم الإسرائيليين، رغم أن إيران لا تمتلك بعد أي أسلحة نووية.
يشير أستاذ الجغرافيا السياسية في الجامعة العبرية بالقدس يوناتان فريمان إلى أن "الحكومة تقول كنا نعلم أنهم يخططون لشيء ما، لذا سنتحرك قبل أن يفعلوا ذلك، ما يحظى بدعم شعبي واسع". ويعتبر أن نتانياهو بات "أقوى بكثير" إثر التطورات الأخيرة.
ويتابع الأكاديمي "حتى المعارضة التي انتقدته لعدم صرامة موقفه تجاه إيران، تُهنئه" على إطلاقه الهجوم ضد إيران.
وكتب زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد في مقال رأي نشرته الأحد صحيفة "جيروزاليم بوست" أن "نتانياهو منافسي السياسي، لكن قراره بضرب إيران الآن هو القرار الصحيح".
وأظهر استطلاع للرأي نشرت نتائجه القناة الرابعة عشرة التلفزيونية الإسرائيلية، المؤيدة بشدة لنتانياهو، السبت أن 54% من الإسرائيليين يثقون برئيس وزرائهم.
كان لدى الرأي العام الوقت الكافي للاستعداد لاحتمال شن هجوم واسع النطاق على إيران: فمنذ هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 الذي شنته حركة حماس الإسلامية الفلسطينية (المدعومة من إيران) والذي أشعل فتيل حرب غزة، صرّح نتانياهو مرارا وتكرارا بأن إسرائيل تُقاتل من أجل بقائها وتريد "تغيير الشرق الأوسط" لضمان أمن بلاده على المدى الطويل.
ويقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المفتوحة في إسرائيل دينيس شاربيت "في الواقع، على مدى الأشهر العشرين الماضية، كان بعض الإسرائيليين يُفكّرون في الأمر، متسائلين ما إذا كانت إيران محور الموضوع الفعلي بعد ما حصل مع حزب الله (اللبناني) وحماس".
ويعتبر شاربيت أن رئيس الوزراء يحظى حاليا بفترة سماح موقتة، مضيفا "لا يزال نتانياهو يسعى لأن يهيمن على الأحداث، وأن يكون هو من يُعيد ترتيب أوراق اللعبة بنفسه، لا أن يكون في موقع رد الفعل، وهنا، يفرض بوضوح نهجه المشابه لأسلوب (ونستون) تشرشل؛ في الواقع، هذا هو نموذجه".
ويتابع "لكن بناءً على النتائج، ومدة الحرب، قد يتغير كل شيء، وقد ينقلب بعض الإسرائيليين ضد +بيبي+ لمحاسبته".
وتقول عالمة الاجتماع نيتسان بيرلمان لوكالة فرانس برس إن "الرأي العام يدعم هذه الحرب، كما دعم حروبا سابقة. بالنسبة لهم، إنها حرب ضرورية"، كما أنها "مفيدة جدا لنتانياهو لأنها تُسكت المنتقدين داخل البلاد وخارجها".
تواجه إسرائيل إدانة دولية غير مسبوقة تطال خصوصا نتانياهو الذي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف دولية بحقه بتهمة ارتكاب "جرائم حرب" في غزة.
ومع استشهاد عشرات آلاف القتلى في غزة والوضع الإنساني الكارثي في القطاع بسبب الحصار الإسرائيلي، بدت إسرائيل في خطر عزلة متزايدة يوما بعد يوم إثر التهديدات بفرض عقوبات على البلاد.
في 11 حزيران/يونيو، أعلنت لندن عقوبات غير مسبوقة ضد وزيرين إسرائيليين من اليمين المتطرف.
ولكن، في انقلاب للأحداث، حظي رئيس الحكومة نفسه بدعم العديد من رؤساء الدول والحكومات الأوروبيين، بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إذ أكدوا في الأيام الأخيرة "حق إسرائيل في حماية نفسها".
يوضح فريمان "يُنظر إلى إيران على أنها دولة مزعزعة للاستقرار تُموّل الإرهاب وترغب في امتلاك أسلحة نووية، لذا فإن مستوى التفاهم المتبادل بين إسرائيل والغرب حيال هذه المسألة أكبر من ذلك المرتبط بموضوع الفلسطينيين".
ويرى أن الفكرة القائلة إن إضعاف إيران من شأنه أن يتيح إحلال السلام في المنطقة وظهور شرق أوسط جديد كما يرغب البعض، ستُثير استحسان الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية.
وتعتبر بيرلمان أن دعم العديد من الدول ينبع من رغبتها في دعم إسرائيل في مواجهة تهديد يبدو "أكثر واقعية" بالنسبة لها من تهديد حماس في غزة، والانضمام إلى ما تعتبره "مهمة حضارية ضد نظام استبدادي".
وتضيف "يستغل نتانياهو التهديد الإيراني، كما اعتاد أن يفعل".