في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، ألقى جلالة الملك عبدالله الثاني خطاباً مؤثراً أمام البرلمان الأوروبي، عبّر فيه عن عمق القلق الأردني والعربي تجاه الانهيار الأخلاقي الذي يشهده العالم، في ظل الحروب المتواصلة والتصعيد المتزايد، وبخاصة ما يجري في قطاع غزة.
لم يكن الخطاب مجرد عرض لمواقف سياسية، بل نداء إنساني نابع من إدراك عميق بأن الإنسانية تقف على مفترق طرق، وأن القيم التي تأسست عليها المجتمعات الحديثة تتعرض اليوم لاختبار عسير.
جلالته شدد في كلمته على أن ما يجري في غزة لا يشكل فقط كارثة إنسانية، بل هو مثال صارخ على الانحدار الأخلاقي للنظام العالمي، وتساءل جلالته: كيف يمكن أن يتحول قصف المستشفيات واستهداف الأطفال وتجويع المدنيين إلى أمر اعتيادي؟ أين ضمير العالم أمام أكثر من 700 هجوم موثق على مرافق الرعاية الصحية؟ ولماذا تلاشى الغضب الدولي أمام هذا الواقع البشع؟ إن مرور الوقت لم يكن كفيلاً بتضميد الجراح، بل بتحويل المأساة إلى خبر عابر لا يثير اهتمام أحد.
الملك تحدث بنبرة غاضبة وحازمة عن الحاجة إلى سد الفجوة بين القيم المُعلنة والمواقف الفعلية، محذراً من أن الصمت أو التخاذل هو تواطؤ يعيد تعريف ما تعنيه الإنسانية.
في خطابه، لم يفصل جلالة الملك بين غزة والضفة الغربية، مشيراً إلى أن الانتهاكات هناك تتزايد يومياً، وأن ما يجري ليس مجرد صراع على الأرض، بل معركة على القيم والمبادئ، الفلسطينيون، كما قال جلالته، "يستحقون الحرية والسيادة وإقامة دولتهم المستقلة"، وهو موقف ثابت يعكس التزام الأردن بالحق والعدالة وفق القانون الدولي.
وأشار جلالة الملك إلى أن الجرافات التي تهدم بيوت الفلسطينيين تهدم معها ما تبقى من الحدود الأخلاقية، خصوصاً في ظل التوسع الإسرائيلي ليشمل الهجمات على إيران، الأمر الذي يزيد من خطورة المشهد ويهدد الشعوب في كل مكان.
الخطاب لم يخلُ من نبرة الأمل، إذ ذكّر جلالة الملك الأوروبيين بتجربتهم التاريخية بعد الحرب العالمية الثانية، حين اختاروا بناء السلام والتعاون بدلاً من الانتقام والصراع، وفي هذا السياق، قدم الأردن كدولة حليفة وشريك يمكن الوثوق به، لا بحكم الجغرافيا فقط، بل انطلاقاً من إيمان راسخ بالقيم المشتركة التي تجمع بين الأديان السماوية، والتي ترتكز عليها الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، هذا الإيمان، كما قال جلالته، هو ما يحرك المواقف الأردنية المبنية على التسامح والاحترام المتبادل، وهو ما يجب أن يشكل القاعدة لأي تعاون حقيقي في مواجهة تحديات هذا العصر.
الملك تحدث بصراحة عن أن العالم يقف أمام خيارين: إما حكم القانون أو حكم القوة، إما الانتصار للمبدأ أو الخضوع للهيمنةن وفي ظل تصاعد الأزمات، من أوكرانيا إلى فلسطين، فإن على المجتمع الدولي أن يتحرك لا لإنهاء حرب هنا أو هناك فقط، بل لاستعادة المعنى الحقيقي للعدالة، ولإثبات أن المبادئ لا تزال تملك وزناً في العلاقات الدولية، وجدد جلالته التأكيد على أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يُفرض بالقوة، بل يصنعه القادة الشجعان الذين يختارون الطريق الصعب لأنه هو الطريق الصحيح.
خطاب جلالة الملك في البرلمان الأوروبي كان بمثابة مراجعة عميقة للضمير العالمي، ووثيقة سياسية وإنسانية تدعو إلى إعادة إحياء القيم التي يفترض أن تكون أساس النظام العالمي، لقد تحدث بصوت الملايين ممن لا صوت لهم، ووضع القضية الفلسطينية في قلب المعركة الأخلاقية الكبرى التي يخوضها العالم.. الرسالة كانت واضحة: إما أن نرتقي بإنسانيتنا ونصونها... أو نخسر أنفسنا إلى الأبد.