في الوقت الذي يتعرض فيه الأردن لحملات تشويه وتشكيك لمواقفه الثابتة والراسخة حيال قضايا الأمة تبرز أهمية المواطنة الصالحة، وغرس قيم الولاء والانتماء بأبناء البلد متسلحين بالتربية الوطنية الصحيحة؛ للوقوف سدا منيعا في وجه كل من يستهدف الوطن.
من هنا، يفرض الوعي نفسه سلاحا مهما لأبناء الوطن في الدفاع عنه، ومصالحه العليا، والحفاظ على أمنه واستقراره من أية مخاطر تواجهه، ودحر حملات الافتراء التي يتعرض لها بين الفينة والأخرى، وقوام ذلك مواطن واعٍ متسلح بالعلم والمعرفة يذود عن وطنه بكل ما أوتي من قوة، ويدحض كل زيف وافتراء بحق الوطن.
في هذا السياق، أكد أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي أن الأسرة تمثل الخط الأول والأهم في بناء الوعي الوطني لدى الأبناء، واصفا إياها المكان الذي يُغرس فيه حب الوطن والانتماء الحقيقي، وليس من خلال الإعلام أو المؤسسات التعليمية فقط.
وأشار الخزاعي في تصريحه إلى "الرأي" أن الأبناء، خاصة في عمر أربع أو خمس سنوات، يفسرون ما يشاهدونه من أخبار وأحداث بطريقتهم الخاصة، ولذلك يقع على عاتق الأسرة مسؤولية التوجيه والتربية الوطنية؛ لكي لا يترسخ في أذهانهم تعصب أو كراهية أو انتماءات مشوهة.
وأكمل: "يجب ألا نعتمد على الإعلام أو الصحافة أو مؤسسات التنشئة الدينية في هذا الأمر؛ لأن دورهم يأتي لاحقا ويكمل دور الأسرة، وليس بديلا عنه". لافتا إلى أن التنشئة الاجتماعية الوطنية تبدأ داخل الأسرة، وهي التي تحدد سلوك الأبناء وتوجهاتهم.
وأكد الخزاعي على أهمية أن يكون الأهل قدوة حقيقية في السلوك، مستشهدا ببعض الأمثلة التي تذهب باتجاه تأكيد الدور البارز لرب الأسرة في التأثير في أبنائه من جهة توجهاته وميوله واهتماماته، بالقدر الذي يلقي عليه مسؤولية كبيرة بأن يكون نموذج إيجابي لأبنائه بالابتعاد عن التعصب والكراهية.
ونبّه الدكتور الخزاعي إلى خطورة تعريض الأطفال والمجتمع بشكل عام لمشاهد الدمار والصواريخ التي تُبث مباشرة عبر وسائل الإعلام، قائلا: "يجب أن نقلل من وقت المشاهدة أمام هذه القنوات التي تعرض سيارات الإسعاف والطائرات والانفجارات؛ لأن هذه المشاهد تؤثر نفسيا على الأطفال وربما تزرع فيهم الخوف والقلق".
"الالتزام بالقوانين والتعليمات قدوة للأطفال"
وحذر الخزاعي من أن يكون هناك ازدواجية في السلوك داخل الأسرة، قائلاً: "إذا خرج الأب مخالفا لتعليمات السلامة وخرج أولاده مع أصدقائهم، فإن ذلك يضعف من المصداقية ويقلل من التزام الأبناء".
وأوضح أنه على الأهل أن يكونوا قدوة حقيقية بالتزامهم بالقوانين والتعليمات، مثل عدم الصعود إلى الأسطح أو أماكن الخطر أثناء القصف أو الهجمات وبعد سماع صفارات الإنذار، لأن "الشباب والشبابات يخرجون أحيانا إلى الشوارع وأسطح المنازل للتصوير، وهذا خطر شديد لأن هذه الشظايا قد تكون سامة أو تحتوي على مواد متفجرة".
ويناشد الجميع بتوخي الحذر وعدم تعريض النفس والمجتمع للخطر، "فالالتزام ليس خيارا بل مسؤولية جماعية تحفظ سلامة الجميع".
"تعزيز قصص النجاح الوطنية"
كما شدد الدكتور الخزاعي على أهمية تعزيز الخطاب الوطني داخل الأسرة عبر الحديث عن قصص نجاح الوطن ومكانته الإقليمية والدولية، مشيرا إلى أن الأردن من الدول القليلة التي قدمت دعما مستمرا وعملا دؤوبا للقضية الفلسطينية.
وأشار إلى موقف الأردن الإيجابي والمثمر تجاه غزة والقضية الفلسطينية، وأضاف: "لا بد أن يعرف أبناؤنا هذا الدور، وأن نركز على ما قام به بلدنا لدعم الأشقاء في فلسطين".
وأعرب الخزاعي عن أسفه من أن مؤسسات التنشئة الاجتماعية لا تؤدي دورها بالشكل المطلوب في خدمة المجتمع وغرس القيم الوطنية، مشددا على أنه "لو أن الأسرة قامت بدورها بشكل صحيح، لما واجهنا هذه التحديات التي نراها اليوم في المجتمع".
"احترام القوانين أساس الأمن والأمان"
وفي ختام حديثه، أكد الدكتور حسين الخزاعي أن الحفاظ على الأمن والأمان في البلاد يبدأ من احترام الفرد للقوانين والأنظمة، محذرا من الاستهتار الذي يؤدي إلى تعريض النفس والمجتمع للخطر. مضيفا أنه في الأردن، لا توجد هذه الثقافة بعد، ويجب أن نغيرها، فالعيش في بلد آمن يتطلب التزامنا جميعا، وحماية مقدرات الوطن، لأن الضرر الذي يلحق بالمواطن لا يقتصر عليه فقط بل يؤثر على المجتمع بأكمله.